بدونك، انا لا شيء – بلاسيبو

أخذت أغنيتي المفضلة لفرقة “بلاسيبو”، ترجمتها بطريقة سيئة وغير محترفة، ووضعتها هنا لكي أحرج نفسي. أعطيت نفسي صلاحية إضافة بعض التعديلات.

بدونك، انا لا شيء – فرقة “بلاسيبو”

يخيّم على أمواج ليالينا الهائجة هيام غريب

سأقبل بذلك وانا الى جانبك

مخيلاتنا تساعد مشاعرنا على الانسياب

سأقبل بذلك وانا الى جانبك

لحظات حميمية تلتهم وتفرّغ مجموعة من الأكاذيب

سأقبل بذلك وانا الى جانبك

شبعنا أساسا يسمك الجلد ويخفي المخفي

سأقبل بذلك وانا الى جانبك

تمرّ لحظات قبل ان ننفجر مجدداً

انا قذرة، فاسقة

كلّما تفرّغ مكنوناتك

أشعر وكأني أفقد القدرة على الكلام

فتطفو بعيداً عن أناملي

تنظر لي كأني شجرة دائمة الخضرة

ولم ترني في وحدتي قط

آخد خططنا، أقلّبها

أقع

بدونك، انا لا شيء

آخد خططنا، أقلّبها

بدونك، أنا لا شيء، يا صديقي

Advertisements

الرؤية النسوية للذكورية في مجال طب النفس

بمناسبة يوم التوعية العالمية للصحة النفسية، وتبعاً للرغبة في الكتابة عن التجارب الشخصية في الصحة النفسية كإمرأة نسوية قبل كل شيء، بعد قضاء نهاية الأسبوع مع مجموعة من الأشخاص لقراءة بعض النصوص عن الصحة النفسية في ظلّ النظام الأبوي عبر مشروع الألف، قررت أن ألخص وأترجم احدى الكتابات عن رؤية بعض التيارات النسوية لمصدر الذكورية ضمن الطب النفسي كمقدمة، وسأبدأ بورقة بحثية تحت عنوان “التمييز الجنسي والطب النفسي” او “Sexism and Psychiatry” للكاتبة ’جون بصفيلد‘.

تبدأ الكاتبة بتوضيح أهمية وجود تحليل نسوي للطب النفسي، كونه مجال يخضع للنظام الأبوي ككافة المجالات الطبية، وهو أمر أتطرّق له ببساطة هنا، فتعتمد على كتابين كلاسيكيين لنسويات حاولن اتخّاذ النسوية كمنظار لنقد ذكورية الطب النفسي من قبل: الكتاب الأول هو كتاب “النساء والجنون” او “Women and Madness” للكاتبة ’فيليس شيسلر‘، أما الثاني فهو ورقة بحثية بعنوان “الطب النفسي والمؤنث” او “Psychiatry and the Feminine” للكاتبة ’هيلاري آلين‘. تختلف كلّاً من ’شيسلر‘ و’آلين‘ في تحليلهما لتلك الذكورية، ولكلّ من الرأيين مؤيّدين ومعارضين ضمن المدارس النسوية المختلفة.

الطب النفسي ذكوري جوهراً

تعتبر ’شيسلر‘ كغيرها العديد من النسويات أن الذكورية تقبع في جوهر الطب النفسي، فهو مبني بشكل أساسي على أفكار المجتمع الأبوي فيما يتعلّق بثنائية المرض والصحّة. المجتمع الأبوي بطبيعة الحال يصنف كل الصفات التي تُربط بالذكورة تحت خانة “الصحّي” و”الطبيعي”، بينما يضع كل ما يشذّ عن تلك القاعدة، أي كل ما هو أنوثي او مفرط الأنوثية، تحت خانة “المرضي” و”غير الطبيعي”. يتبع التشخيص النفسي تلك القاعدة، مسنداّ حجّته بالأدوار الجندرية التي يتوقعها المجتمع، فيجعل كل من يخالف المتوقع منه في محلّ إتّهام. لذلك نجد أن المرأة لا تسلم من التشخيصات المرضية عندما تعبّر عن مشاعرها، حيث يتوقع منها أن تكون أنثى هادئة بتصرّفاتها، فتتجنب التعبير المفرط عن غضبها أو مشاعرها التي يمكن أن تلبسها تهمة “الهسترة”، مثلما عليها أن تتجنب انعدام المشاعر وأن تتصرّف بطرق متوقعة من الرجال، كي لا تُتهم بأنها أيضا مريضة كونها لا تقوم بدورها الأنثوي العاطفي الطبيعي. أما الرجل، فتشخيصه يأتي عبر ممارسته لما يعتبر أنثوي، ولكن أي مبالغة في الممارسات “الرجولية” لا تضعه محط الإهتمام. “الرجولية” تستحق الإحتفاء بها، لا الرجم.

من هذا المنطلق، تعتبر ’شيسلر‘ أن الأمراض النفسية هي أمراض ناتجة عن التركيب الإجتماعي، يحددها المجتمع عبر رفضه لكل ما هو مختلف وشاذّ عن التوقعات الجندرية. تستند الكاتبة في تحليلها الى حقيقة أن النساء أكثرعرضة للتشخيص، كما أنهّن مُمَثلات بشكل أكبر، أكثر عرضة للتحرّش والإستغلال الجنسي من قبل أطباء النفس، والأطباء أكثر ميلاً لوصف الأدوية لهن من الرجال.

الطب النفسي يعكس ذكورية المجتمع

جائت هذا التيّار ردّاً على كتابات ’شيسلر‘ بالشكل الأساسي وجوهرة الذكورية في الطب النفسي، فكانت ورقة ’آلين‘ البحثية بمثابة النقلة النوعية في تحليل التمييز في هذا المجل من منظور نسوي. عكس شيسلر، وضعت آلين الأبوية خارج جوهر الطب النفسي، حيث تلعب ذكورية المجتمع والتمييز الجنسي في دفع النساء كي يقعن ضحايا التشخيصات المرضية العديدة. إذا، الأمراض ليست مرّكب إجتماعي مبني على التوقعات المجتمعية للجندر، بل هي الحالة التي تصل لها النساء بسبب الظلم والإضطهاد والتوقعات غير الطبيعية منها في المجتمع. النساء اللواتي يصبن بالجنون لسن مفرطات العاطفة، وبالتالي ضحية تشخيص خاطىء، بل هنّ مجنونات ولكنهن مدفوعات من مجتمع لا يحميهن الى هذا الجنون.

من هذا المنطلق، ترى ’آلين‘ أن انتقاداتنا للذكورية ضمن الطب النفسي هي امتداد لانتقاداتنا للمجتمع والنظام الأبوي، حيث أنّ اي مؤسسة ضمن هذا النظام ستعكس أبويته تلقائياً. تدعم هنا الكاتبة ادعاءاتها بالدراسات التي تربط ازدياد اضطرابات القلق لدى الأفراد عند مرورهم بأوضاع معيشية صعبة، لتثبت أن الأمراض النفسية يمكن أن تكمن أسبابها في عوامل خارجية. كما تأخذ بعض التجارب التي أجرتها طبيبات نفس نسويات على نساء وبنات يعانين من اضطرابات الأكل كفقدان الشهية، حيث استنتجن أن تلك الإضطرابات هي نتيجة المعايير الجمالية القاسية المفروضة من المجتمع والإعلام والتي تدفع الفتيات لتدابير مجحفة كي يشعرن بأنهن جميلات ومقبولات.

ردّا على ’شيسلر‘، تعتبر ’آلين‘ ان الاعتقاد بأن الأبوية تحتل مكانة مركزية في الطب النفسي هو إعتقاد خاطيء، وكأنّ الطب النفسي لن يكن له وجود لولا وجود التمييز ضد المرأة. كما تشير في انتقادها الى ان العوارض المرضية المذكورة في كتب علم النفس لا تفرّق بين رجل وامرأة، كما لا يفصل علم النفس بين الأمراض حسب النوع الإجتماعي. واخيراً، ترى ’آلين‘ أن الأمراض المتعلقة بشكل خاص بالنساء والأفراد الذين يملكون أعضاء تناسلية أنثوية بدأت تُهمّش منذ فترة.

بين ’شيسلر‘ و’آلين‘: نقد وخلاصة

يتضح لنا أن التيارين يمكن نقدهما في نقاط معينة مع الموافقة على نقاط أخرى. ’آلين‘ تسيء فهم نظرية مركزية الذكورية في الطب النفسي عندما تدّعي أن ذلك مطابق لعدم وجود علم النفس دون وجود الأبوية. فالمجتمع الذي نعيش به ذكوري أبوي، ولكن تجاوزنا لذلك لا يعني انتهاء المجتمع بل تغيير شكله وتركيبته، لا أكثر. بالإضافة الى ذلك، النوع الإجتماعي ليس العامل الوحيد الذي يقع في جوهر تشكيل الطب النفسي، فالعرق والطبقة وغيرها من العوامل تؤثر على العديد من التشخيصات. فالسود على سبيل المثال أكثر عرضة للتشخيص بالأمراض المتعلقة بالعنف. كما أن انتقاد الطب النفسي في جوهره لا يعني نفي أن الأمراض النفسية موجودة وحقيقية، فالعديد من النساء يعانين من اضطرابات عدّة لن تختفي اذا انكرنا وجودها. على العكس، انه انتقاد لكيفية سير الأمور عندما يتعلق الموضوع بالتشخيص والعلاج والمتابعة ووصف الأدوية وإدخال المريض/ة الى المؤسسات الطبية.

بينما التيار الأول في تراجع بين النسويات منذ إصدار كتاب ’شيسلر‘ في السبعينات، يمكن إرجاع سبب ذلك لعوامل عدّة منها تراجع حركة مناهضة الطب النفسي وكون التيار الثاني أقل تهديدا لأطباء النفس لأنه يضع المشكة في المجتمع، لا في ممارسات الأطباء أنفسهم. مع ذلك، فإننا اليوم نرى أن عدّة ملاحظات لا تزال تدعم التيار الأول. العوارض الطبية، مثلا، تعتمد على توقعاتنا من الرجل والمرأة ولو لم يكن ذلك مصرّحا به بشكل واضح. كما أن كتب علم النفس تحدد بشكل أساسي النوع الإجتماعي والحالة الإجتماعية والعمر عند إعطاء أي مثل لحالة دراسية معينة: “هناء إمرأة غير متزوجة، تبلغ من العمر 31 عاماً، تعاني من…”وبالتالي، يظهر لنا أن تلك الأمور مهمّة جدّاً للتصنيف والتشخيص. بالإضافة، النساء يخضعن للمعيار المزدوج من الأطباء عند التشخيص، فالمرأة التي تشذّ عن الأخلاق العامّة يمكن تشخيصها بأمراض نفسية بكل سهولة، بينما لا يمر الرجل بهذا الكم من الأحكام، واذا تجاوز حدوده يصبح مجرماً، لا مريضاً. أخيرا وليس آخراً، عندما يصل المرضى الى آخر مراحل العلاج ويبدأ الحديث عن مغادرة المشفى النفسي، يتم إطلاق سراح الرجل بدون تردد كبير، فيُتوقع من عائلته الإعتناء به فور خروجه. أما المرأة، وهي التي تُعتبر المسؤولة الأولى عن حاجاتها الحياتية واليومية، تبقى أكثر عرضةً للبقاء في المؤسسات الطبية عكس إرادتها، لأنها ليست مهيئة للإهتمام بنفسها، ولا أحد يهتم بالمرأة خارج تلك المؤسسات.

محطّات نسوية في أواخر 2017: دينا علي، نساء المخيّم، وعاملات المنزل الأجنبيات

مرّ وقت طويل منذ أخر مرة قررت أن أكتب فيها شيئا لمدونتي، ويعود الأمر إلى حدّ ما إلى إيماني الكامل بأن أغلب ما أكتبه من البديهيات. ربما سيكون تدويني ذو فائدة أكثر إذا خصصته لترجمة لبعض المقالات التي أقرأها. مع ذلك، أشعر أحيانا بأن هناك نقص عظيم في الكتابات النسوية في عالمنا العربي، لا سيما تلك المكتوبة باللغة العربية. فأغلبنا تعرّف على النسوية من خلال كتابات أجنبية ومقالات بسيطة شعرنا من خلالها بأننا لسنا وحدنا بتساؤلاتنا وصراعاتنا اليومية بين ما يمليه المجتمع وما نشعر به. أعلم جيّدا أننا لسنا بحاجة أن نمر بتلك المرحلة جميعنا بنفس الزخم والتسلسل، ويمكن لإمرأة لم تفتح كتابا بحياتها بأن تكن أكثر إفادة للنساء من إمرأة تلتهم كتاب نسوي كلّ يوم. فكل ما نعلمه ليس ذو فائدة إذا لم نستخدمه لتحصيل وإنتاج المزيد من المعرفة و/أو إبتكار حلول عملية لما نعتبره سبب اللامساواة والتمييز الجنسي. لدينا العديد من الكاتبات اللواتي يعّرفن عن أنفسهن كنسويات، بعضهن يكتب بالعربية والبعض الاخر بلغات أجنبية. الجزء الأول أنتجن كتب تشكل حجر أساس في التراث النسوي العربي (أو الشرق أوسطي/شمال إفريقي) ولو مضى على بعض تلك الكتابات مدى من الزمن جعلها ليست ذو فائدة مباشرة اليوم، أو اكتسبن تلك النسويات بعض الأراء التقليدية عن تعريف النسوية والتي لم تبتعد تماما عن أولى موجاتها (كأراء نوال السعداوي الرجعية عن التبرّج والمثلية الجنسية وبعض المواضيع الأخرى). لدينا أيضا عينة يمكن أن تحتسب من هذه الفئة من النسويات اللواتي يكتبن بالعربية ولكن كتاباتهن تجعل أغلبنا يأخذ مساحة منها لسطحيتها وعدم إعتمادها على تحليل جرىء وراديكالي لأسس ظلم وإضطهاد المرأة، منهن الكاتبة اللبنانية جمانا حداد. شخصيا، أعتبر كتاباتها أقرب إلى خربشات مراهقة تعتمد على عامل الصدمة الذي ينفر أغلب النساء ولا يلمس مواجعهن بأي طريقة. أما النسويات اللواتي يكتبن بالإنجليزية على سبيل المثال، فهنّ إنطقلن من مخاطبة الفتاة والمرأة التي تعيش في المنطقة وتتعرض لنوع خاص من الإضطهاد، وتعدينها ليخاطبن النسوية العربية أو المسلمة التي تعيش في بلاد أخرى (أميركا/كندا/أوروبا/أستراليا..). صراع تلك النساء قد إنفصل الى حد كبير عن صراعنا نحن اللواتي لم نحظى بفرص الهرب بعد ولو كانت قضيتنا النسوية في نهاية الأمر. ما أريد الوصول له هو أني أشعر بحاجة ماسة لوجود مساحات لنساء نسويات يكتبن باللغة العربية عن كل زاوية من قضايا المرأة العربية ولو كانت أغلبها من البديهيات للبعض منّا، فنحن، بالرغم من تزايد أعدادنا يوما بعض يوم، لا نزال بحاجة الى المزيد من التجييش. لهذا خلقت مساحات عصوت النسوة وأصوات وكحل والرائدة وغيرها. لهذا أكتب.

حصل العديد من الحوادث مؤخرا التي دفعتني لأحمل هاتفي وأدوّن ملاحظات غاضبة، وهذه التدوينة ليست ذات هدف أبعد من أن أجمع تلك الملاحظات في كومة واحدة. أعترف بأني عندما بدأت التدوينة، كانت دينا علي قد أعيدت توّها إلى المملكة السعودية بعد أن هربت من أهلها للفيليبين كي تطلب اللجوء في أستراليا. لم أتوقع أن تؤثر قصتها عليّ إلى ذلك الحدّ كونها إمرأة سعودية – وما أعنيه هنا هو أننا كلنا نعرف قمة القهر التي تعشنه النساء السعوديات بسبب نظام الولاية بشكل خاص. وبالرغم من ذلك، لم أتوّقع أن يصل الأمر إلى دفع المملكة بإبرام صفقة مع الفيليبين لإرجاع دينا، بالرغم من فرارها، إلى أهلها، تقييدا وضربا، وحبس صبية ذهبت للإستطلاع عن وضعها في المطار. غاب عن بالي كل ما أعرفه عن تعاقد العائلة مع الدولة ومصلحة الإثنين في إستمرارية النظام الأبوي. سلطة الأب في العائلة ما هي إلا إنعكاس لسلطة الدولة، وأي تقصير في حماية الدولة لتلك السلطة يضعف سلطة الدولة نفسها. أمام مشهد الإعتقال والتكتم الإعلامي عن هذه الفضيحة، وجدنا أنفسنا في صدمة. فأمر كهذا يعتبر إعتيادي، ولكن مروره مرور الكرام في زمن أصبح توثيق إنتهاكات حقوق الإنسان سهل جدّا بسبب وسائل التواصل الإجتماعي هو الصادم. لم تُسمع إستنجادات دينا علي، فبالعكس، سمعنا أصوات رجال ونساء أيدوا إعتقالها وضربها، بل وقتلها حفاظا على الشرف الذي لوّثته عند فرارها. أن تتحمل المرأة الظلم والضرب والقهر هو تعريف الصبر الذي يجعل من هذه المرأة ذات قيمة وتقدير. فإحترام المرأة ليس أولوية أمام صبر المرأة وإستكاناتها في وجه العنف واللامساواة. متى خرجت من تلك الدائرة بإرادتها ورغما عن ظالميها، لا تستحق الرحمة والعطف والتضامن. ليس غريبا إذا أن تكن نساء سعوديات مع قرار إرجاعها، فقوة النظام الأبوي تكمن في قوة الأيدولوجية الأبوية التي يتشربها الشعب، لا سيما نساؤه، كي يخضعن له وهنّ مقتنعات بأن هذا النظام يحميهن ويحمي مصالحهن، وأن الدولة تريد الأفضل للمرأة عبر نظام الولاية، وأن الرجل والأخ والإبن مخوّلين بصون هذه المرأة – الجوهرة – عبر هذا النظام أفضل منها، وإذا كان أحدهم عنيف ومضطهد ومتخلّف فتلك تعتبر مشكلة فردية ومن سوء حظ فتيات تلك العائلة فقط، وعلى فتيات هذه العائلة غير المحظوظات أن يقاومن بالصبر بدلا من التبلي والتعدي على نظام بأكمله. أجيال كاملة من النساء يتشربن هذا الفكر، وبدلا من محاربتهن دائما، علينا أن نحاول التوصل إلى ما يمكنهن أن يشعرن به أو يرين أنفسهن من خلاله.

دينا علي ما زالت محتجزة عند أهلها اليوم، لا نعرف عن أخبارها شيئاّ. أُصدِر القرار الملكي بالسماح للنساء بالقيادة في السعودية منذ بضعة أيام، وظهرت إشاعات عن قانون لمنع التحرّش في المملكة تزامنا مع القرار، ولكن دينا علي لا تزال رهينة التحالف الذكوري بين الدولة والعائلة. نحن نحتفل بكل القرارات التي تصدر مناصرةً للمرأة، إن كانت في السعودية، أو في الأردن ولبنان في إلغاء قانون تخفيف العقوبة على المغتصب إذا تزوج ضحيته، أو في تونس في إعطاء المرأة حقّ الزواج مِن مَن يختلف معها في العقيدة وحقّ التوريث العادل، ولكنا نعّي أن الأنظمة تعطنا تلك الحقوق ليس حبّا بنسائها، بل تمسكّا بالسلطة.

قضايانا متعددة ونضالنا واحد، هكذا احتفلنا بيوم المرأة – العاملة – هذه السنة في لبنان. أذكّر نفسي بذلك دائما. بالرغم من إني فلسطينية لاجئة، لم أعش يوما في مخيّم للاجئين. أزور المخيّمات وأعرف عنها الكثير، ولكني لم أعش تجارب صديقاتي. تحدثني إحداهن عن المخيّم التي أتت منه في أحدى المناطق في لبنان – لا داعي لذكر الأسماء. أغلب ما كانت تعيشه من قهر كان يتعلّق بهوس الأُسر بأمور الزواج، والضغط الذي يُمارس على النساء كي يرضين بأول عريس – أي عريس – يتقدّم لهن. تصنع العائلة من هذه الضغوطات تمثيليات متعددة. كنت أعرف شابّة أجبِرت أكثر من مرّة للخضوع لمشيئة أهلها بما يتعلّق بالخطبة ومقابلة العريس وغيرها من الأمور خوفا على صحّة والديها؛ فالأم تبدأ بالنواح وتلقي بنفسها أرضاً إذا رفضت إبنتها مقابلة الزائر، والأب يبدأ بتذكيرها بأنه يعاني من إضطرابات قلق ولا يمكنه أن يتحمّل ذلك العبء. الذنب من أقسى ما يمكن أن نحملّه للأشخاص الذين يحبّونا، وحسب تقديري، مشاعر الذنب هي السائدة في العلاقات بين الأهل وأولادهم في منطقتنا – إلى جانب العلاقات الإقتصادية طبعا.

في المخيم نفسه، تخبرني صديقة أخرى، العنف الموجّه ضد النساء يتخطّى بمراحل العنف نفسه خارج المخيّم، ويجدر الذكر أن امرأة واحد تموت كل شهر على الأقل بسبب العنف الأسري في لبنان إذا إستثنينا عاملات المنازل الأجنبيات ونساء المخيمات من المعادلة. تلك الصديقة شهدت العنف في منزلها وفي منازل كل الأقارب والأصدقاء في ذلك المخيّم. فالرجولة تُحدد بالضرب، والمرأة التي لا تُضرب هي الإستثناء عن القاعدة. ضرب الأبناء لوالدتهم أو أخواتهم هو أمر طبيعي أيضا. لا تصل أي خدمات حماية للمرأة داخل المخيّمات في لبنان. اللجان الشعبية التي من واجبها تأمين الحماية داخل المخيمات لديها تاريخ من حماية الرجال المُعَنِفين من الملاحقة القانونية، ولو عنّفوا حتّى القتل. تخبرني تلك الصديقة بأنها كبرت وهي تفكّر بقدراتها، كيف تحمي كلّ تلك النساء؟ كيف تنقذ خالتها وعمتها وصديقتها وجاراتها وكل نساء المخيّم من عنف الرجولة؟ كلّها أفكار تجعل المرء يشعر بعجز قاتل. نحن نعي أن الأبوية تقتل، وهي أكثر مباشرة في المخيمات، ولكنّا نعي أيضا أن الدولة اللبنانية مسؤولة عن سيادة العنف بتلك الحريّة، من خلال عزل المخيّم وأبنائه عن الحياة الكريمة، وإقصاء النساء من فرص النجاة.

في نفس البلد، تعيش معنا عاملات المنازل الأجنبيات اللواتي يعملن أكثر من 80 ساعة في الأسبوع غالبا، واللواتي يأتين للبنان عبر نظام الكفالة الإستعبادي لكي يهتمّنّ بإدارة اللأعمال المنزلية مقابل مبالغ بسيطة. يأخذن محل الأم – او المرأة – التقليدي المُتوقّع منها، والمستخف به بطبيعة الحال تحت الرأسمالية، مما يبرر غياب تقديرهن ماديا ومعنويا ومجتمعيا. لكن النساء المهاجرات حققن إنجازات فشلت العديد من المجموعات الأخرى تحقيقه، وهو إنشاء نقابة لهّن وللعمال الأجانب مخالفة للقانون التمييزي ومعادية لنظام الكفالة. إحدى أهم وأقدم الناشطات في حماية عاملات المنازل الأجنبات، ولن أذكر الإسم لدواعي شخصية، رُُحلت هذا الأسبوع إلى بلدها، الفيليبين، على خلفية نشاطاتها. أخبرتني بأنها ستستمر، وأنها ليست النهاية. السنة الماضية، رُحََلت ناشطتان إثنتان بسبب عملها في النقابة، هما سوجانا وروزا. نعي أن لدينا قامع واحد، ولكن أغلب الأحزاب اليسارية وبعض المجموعات النسوية لا زالت تفشل في ضم قضايا تلك العاملات إلى “الأجندة”.

أتمنى أن نكتب أكثر، كنسويات أفرادً ومجموعات، وأن ندوّن تجاربنا ونشارك تجارب الآخرين، نساء وأقليات جندرية وجنسية وعاملات ولاجئات وأجنبيات وأمهات وسجينات وعانسات ومطلقات وإلخ، وأن ندوّن أبسط البديهيات من أجل مراهقة تبحث ولديها أسئلة. من أجل دينا علي. من أجل نساء مخيّمات العالم. من أجل سوجانا وروزا وغيرهن الكثيرات.

“هاي عيشة البنات”

أبلغ من العمر إثنتان وعشرون سنة، قضيت أكثر من نصفها أعمل على نفسي، على سياساتي وتوتري المفرط ودراستي وقراءاتي وشعوري بالذنب تجاه الرحم الذي أتيت منه، وأنا بالنسبة إلى جدتي “عانس”. أذكر أنها سألتني منذ خمس سنوات عن عمري، وعندما أجبتها أني أبلغ من العمر سبع عشرة سنة، قالت لي إنني يجب ان ابدأ بأخذ خياراتي بعين الاعتبار، فلا أرفض كل عريس يتقدّم لي، لأنني إذا بقيت على هذا الحال – لا سمح الله – سوف ترتفع معاييري و “لن يعجبني العجب” عندها. لو لم تكن والدتي مصدر قوتي ودعمي بأغلب الأحيان، لأثار كلام جدتي فيّ الرغبة بالزواج والتخلّص من هذا العبء المترصد لي في زاوية غرفتي ليلاً، ولكني لحسن الحظ ولّدت حقداً دفينا محله. لا أخفي عليكم انها لم تكن اول او آخر الأحاديث المتعلّقة بالزواج، وأي فتاة بين الست عشرة وآخر رمق من حياتها تعيش في بلاد مثل هذه تعلم جيّدًا عمّا أتحدّث. فعمّي يسألني كل فترة عمّا إذا كان لدي “معايير معينة”، وإذا ما كنت فعلا أستقبل “عرسان” او لم يأتِ نصيبي بعد. صديقاتي اللواتي تزوجن منذ مدّة، وأغلبهن يعشن يأساً مدقعاً، ينظرن إلي بشفقة كلما سألنني عمّا إذا كان هناك عريس بأي وقت قريب. لم أعد اهتم او أشغل بالي بتسخير أيّ من مشاعري للغضب بسبب تلك التفاهات. أعتبر نفسي محظوظة، مرة أخرى، كوني أعلم إني لن أُجبر يوما على الزواج لتجنب كلام الناس، بالرغم من إني أعلم جيّدا أنه لولا ضغوطات المجتمع، لأخذت مجرى مختلفًا كليّا لانتزاع حريّتي. بالرغم من ذلك، الكثير من الفتيات غيري يعانين مما هو أقسى من كلام الناس. يعانين من الزواج القسري، والتهديد، والذل، والوقوع ضحية خيارات الأهل المؤذية في سبيل التخلّص من الهمّ الذي تجلبه الفتاة غير المتزوجة. فنحن منذ الصغر نسمع بالهمّ الذي تجلبه الإناث. همّ يتعلّق بغشاء البكارة الرقيق. همّ نابع من هوس مرضي بالتحكم بتحركات المرأة وإمتلاك جسدها والمحافظة على ما يعنيه هذا الجسد من شرف وعرض ومنزل للجيل القادم من متوارثي إسم العائلة وشرفها وعرضها ومالها.

كيف أشرح لطبيبتي ان الغضب الذي أكنه داخلي أسبابه مجتمعية وان أدوية العالم بأجمعها لا يمكنها ترويضي إذ تفشل أمام قهر صديقتي وهي تبكي بعد إخباري عمّا يحصل معها أسبوعيا وإنهائها كلامها ب “هاي عيشة البنات”؟ أغضب لأنني أنتمي لفئة تشكلّ نصف المجتمع ولكنها متفرقة حسب العائلة والطبقة والطائفة والعرق وأغلبها يؤمن بان ظلمه في المجتمع حقّ، فأشعر بأنّنا وحيدات جدّا في قهرنا بالرغم من شيوعه. نحن وحيدات عندما نُجبر على الإبتسام وهز الرأس لكل شخص يتمنى لنا عريسا ينقذنا. وحيدات عندما نهدد بالعنف اللفظي والجسدي لأننا نرفض ان نشارك حياتنا لمجرّد إعتبارنا عبئًا معنوياً على منازل أهلنا – على إعتبار ان غالبيتنا محرومات من الإستقلال قبل الزواج. وحيدات بالرغم من أننا جميعنا نسمع تمنيات “الفرحة الكبيرة” التي لا تأتي مع إنجاز او شهادة او عمل او اي انتصار صغير، ولا يكللها الا رجل يأخذ على عاتقه مهمة تحويل الفتاة إلى إمرأة عبر رجولته. وحيدات بالرغم من أنّنا نعاني نفس القهر في أغلب المجالات. ندير ظهورنا على بعضنا البعض. نتعارك على الإمتيازات. ندخل ضمن منظومة تهدد سلامتنا وراحتنا، فنتمنى نفس المصير لصديقاتنا اللواتي نحب. هل نجحت الذكورية في جعلنا حقودات إلى هذا الحد؟

شخصيا لا أمانع الزواج إذا ما كان مع شريك/ة متفهمة/ة ومناسب/ة، وهذا مع إيماني الكامل بان مؤسسة الأسرة النواة هي مؤسسة ظالمة مبنية على التراتبية والهرمية والأدوار الجندرية المؤذية والمجحفة بحق المرأة والأطفال. لم أشهد أي أمثلة ناجحة عن الزواج إلا ما رحم ربي، وبالرغم من ان ذلك ليس السبب الرئيسي لنفوري من الفكرة، إلا ان أمي تعتبره “تعقيدًا”. أرفض الزواج التقليدي. أرفض ان يصفني رجلٌ بالدرّة المصونة، او ان يعتبرني ملكاً له، أخضع له جسدياً ونفسياً وعاطفياً متى أراد. أرفض ان أدخل في علاقة مع شخص يتوقع مني ان أمارس الدور الجندري للمرأة، فيرى أنه من واجبي الطبيعي ان أنجب أطفالا، وأطبخ الطعام دائما، وأقوم بدور المرأة الخارقة التي تعمل داخل المنزل وخارجه ومع ذلك تستقبل زوجها على سريره متعطرة آخر الليل. أرفض ان أتزوج فقط لأنه قد حان الوقت لذلك، او لان “القطار سيفوتني قريبا”. أرفض ان أتزوج لأهرب او لأستقل او لأتمتع بحريتي. حريتي أنتزعها متى وجدت مناسبا بيدي وأسناني معاً.

“هاي عيشة البنات”؛ نعاني كماً هائلاً من الضغوطات يوميا لمجرّد وجودنا على قيد الحياة – وليست منافسة لكل رجل اعترته عبارة “ولكن نحن…”. ان تُولدي إمرأة في مجتمعاتنا يعني ان تصابي بهلع وقلق دائم، وان تواجهي خيارات مصيرية يوميا، فتشعري بان عليكِ الإختيار بين حريتك وعائلتك، بين راحة البال والأمان، بين الحب والشرف، بين الإستقلال وكل ما هو متوقع منك إجتماعيا. ان تولدي إمرأة يعني ان تكون خياراتك محط اهتمام الجميع، ليس بسبب محبتهم لك، لا، بل بسبب آلاف السنين من توارث كره دفين للمرأة لأسباب تتعلق بالإقتصاد والسيطرة على الطبيعة والذرية، أسباب لا تزال قائمة على الرغم من وعينا لها ، ولان رجال عائلتك ومجتمعك يحبونك ويكرهونك في آنٍ معاً، فيعاملونك كالفصام، يقدسونك لدرجة أنهم مستعدون لقتلك وتقديمك قرباناً إذا ما مسستِ بقدسيتك. “هاي عيشة البنات”، وأحياناً أراجع نفسي عندما أحاسب صديقاتي على بعض خياراتهن، فتلك التي تزوجت غريباً مسافراً لا ألومها، فإذا سافرت يمكنها ان تنتزع حقوقها عبر القانون وهي بعيدة آلاف الأميال عن أهلها. وتلك التي خطبت أكثر من مرة ليست مخيّرة فعلا، فهي تقاوم جلّ ما تقاوم عندما لا تبستم في وجه خطيبها، فيتركها وترتاح يومين قبل ان يأتي خطّاب آخرون. تلك التي قتلت نفسها. تلك التي هربت. تلك التي تزوجت وأخبرتني أنها تحب حياتها الزوجية بالرغم من عذابها. او التي تزوجت لمجرّد الإنجاب والإلتهاء بحياة أخرى تكاد تصبح أهم من حياتها… الخ. “هاي عيشة البنات”، كل خياراتنا ناتجة عن تخييرنا ما بين السيء والأسوأ. وحيدات في صراعاتنا مع مجتمع يكرهنا كلنا على حد سواء. نُجبر ان نرى في الزواج حلماً منذ نعومة أظفارنا، إذ لا يضاهيه أي إنجاز آخر. أفكر أحيانا أنها ربما كانت طريقة جدّاتنا في التعامل مع القهر، فنسجن من عذابات القفص الذهبي والفستان الأبيض والمنظومة العائلية الأبوية أساطير وردية، لكي نستطيع ان نحبّ وسائل قمعنا فنتألم أقلّ.

الطب الحديث وإعادة إنتاج الذكورية

إنتشر قبل عدة أيام مقال في جريدة ال Independent البريطانية عن جديّة الآلام المرافقة للعادة الشهرية للنساء وعابري النوع الإجتماعي (trans)، طارحا السؤال الجرىء عن الأسباب التي أدت إلى إهمالنا لهذه الحقيقة في المجال الطبي طوال هذه السنوات. توّسع المقال ليعطي أمثلة عن الإستخفاف بالعادة الشهرية من قبل الأطباء، حيث ينتظر الرجال الذين يعانون من آلام في الصدر حوالي 49 دقيقة لتلقي المساعدة او الإستشارة، بينما تنتظر النساء اللواتي يعانين من آلام الحيض ما يعادل ال 65 دقيقة بشكل عام، وذلك بالرغم من أن عوارض وآلام الإثنين متشابهة في معظم الأحيان.

لماذا  يتمّ إذا الإستخفاف بمعاناة النساء بالرغم من المعرفة الشبه كاملة بالألم الناتج عن العادة الشهرية؟ يحاول المقال الإجابة بأن هذا الإستخفاف يعكس البيئة الذكورية التي يُمارس خلالها العمل الطبي، حيث تحدّد الأحكام المسبقة الذكورية كيفية تصرّف الأطباء مع المرضى. فالمرأة في أغلب الأحيان تُصور على أنّها درامية، تُمثّل الألم ولا تظهره على حقيقته “البسيطة”، بينما الرجل القويّ الذي يتحمّل الصعاب لا يمكنه تمثيل الألم، وبالتالي فإن أقواله ووصفه للعوارض المرضية يؤخد بعين الإعتبار دائما ويُعامل بجدية ومراعاة على عكس توصيف النساء. هذا كلّه يذكرنا بأصول تلك الأحكام المسبقة وتجذرها في الطب، خاصة في حالة الهستيريا – أي المرض النفسي العصابي المسمى ب “الهراع” – التي انشق اسمها من كلمة hystericus اليونانية والتي تعني الرحم. فهذا المرض قد رُبط بالنساء حتى أواخر القرن التاسع عشر، ووصَف حالات تحويل الآلام النفسية الى أوجاع جسدية بالمبالغة الدرامية المتعلقة بإضطرابات في رحم المرأة، مما يسبب الهسترة. كان تعامل الأطباء النفسيين مع هذه الحالة مبني على ضبط تصرفات المريضة من خلال الترويض، وكانت الطاعة من قبل المريضة من أساسيات العلاج. ولم يعتمد الأطباء آنذاك على الحوار والإستفسار من مرضاهم عمّا يؤلمهم حقّا، فهؤلاء المريضات نساء لا يتعاطين بعقلانية ولا يمكن إستشارتهن بما يتعلق بصحتهن بسبب عدم اتزانهن أصلا حسب الأطباء. هذه العلاقة بين المريضة المطيعة المصابة بالهستيريا والطبيب المتزمت الآمر عكست وجذّرت صورة العلاقة بين الجنسين: تنصاع النساء  للأوامر وتخضعن لسلطة الرجال دائما. كلمة هسترة لا تزال تُستخدم حتى اليوم لوصف النساء اللواتي يبالغن في التعبير عن آلامن، لا بل حتّى عن مشاعرهن، فيقلقن صورة المرأة الهامدة.

ما يظهره المقال لا يقف عند حد ظاهرة التقليل من شأن الأمراض المتعلقة بالنساء، وخاصة في حالة العادة الشهرية، بل هو يفتح لنا آفاقا لمسائلة الطب الحديث عن كيفية تعاطيه مع جسد المرأة كمرآة تعكس توقعات المجتمع والدولة منها. كلّما زادت حدّة الذكورية والبطركية في مجتمع ما، كلّما تماشى الطب معها ليعاونها ويكن حليفا لها في مراقبة وضبط أجساد نساؤه. هذا الأمر ينطبق في عدة مجالات متخصصة بالمرأة وجسدها، خاصة فيما يتعلّق بغشاء البكارة والإجهاض.

عذرية النساء تكتسب طابع التركيب الإجتماعي الذي يتغير مفهومه من مجتمع الى آخر، وفي أغلب المجتمعات البطركية، العذرية للمرأة ترتبط إرتباطا وثيقا بغشاء البكارة. هذا الربط بين الإثنين يلغي كل أنواع الممارسات الجنسية غير المغايرة او التي لا تعتمد على الولوج بشكل أساسي، كما يخلق فكرة غير صحيحة كليّا عن تأثير العلاقة الجنسية على جسد المرأة والتوقعات التي يحتمها هذا الأمر على المرأة غير المتزوجة والشريفة الطاهرة في آن معا. فمن الشائع، والغير صحيح، أن المرأة البكر عليها أن تنزف دما في أول علاقة جنسية، كما عليها أن تتألم، وهذا التصوير يجعل غشاء البكارة طبقة سميكة تغلق باب الرحم كليا، وهو خطأ شائع أيضا. تلك المفاهيم غير الصائبة عن العذرية وغشاء البكارة ترفع من قيمة تقاليد بالية في الأرياف في بعض البلدان العربية والمسلمة، كإنتظار أهل العروسين لشقفة قماش مطلية بالدم في أول ليلة للمتزوجين سويا. تلك التقاليد وغيرها تؤدي في الكثير من الأحيان الى جرائم شرف قد تكون أساسا واقعة على أسس ضعيفة وناتجة عن قلة وعي. يتحمل مسؤولية تعميم هذا الوعي كل من يعمل في مجال الطب ولا يزال يشارك في عملية تشييع المعلومات الخاطئة.

تنتشر إزاء ذلك عمليات إعادة “ترميم” غشاء البكارة، وفي بعض الأحيان تطلب تلك العمليات نساء لم يقمن بعلاقات جنسية قبل الزوج ولكن علمن حسب إستشارتهن لأطباء بأنهن لن ينزفن كثيرا في ليلة “الدخلة”. أما الرجال، فهم في حال قاموا أو لم يقوموا بعلاقات جنسية قبل الزواج، يبحثون عن إمرأة لا تزال تحافظ على غشاء بكارتها. تسمّي فاطمة المرنيسي هذه الحالة بالشيزوفرانيا الإجتماعية، حيث يفعل الرجال ما يريدون من علاقات قبل الزواج مع العدد الذي يريدونه من الفتيات، وفي النهاية يتوقعون أن يكسبوا إمرأة لم يلمسها غريب من قبل. يدخل الطب من بين كل هذا من خلال تعاطي الأطباء مع عمليات إعادة “ترميم” هذا الغشاء، وأضع ترميم بين قوسين لأن الكلمة توحي بأن تدمير هذا الغشاء يؤدي الى حالة مرضية أو غير طبيعية يجب معالجتها، بينما هو في الحقيقة ليس هنالك أي معنى أو فائدة طبية لهذا الغشاء بعد البلوغ، وبالتالي ضرورة “ترميمه” تعود لأسباب إجتماعية ذكورية بحت. فمن خلال بحث قامت به ديليك سيندأوغلو عن الجراحة العذرية مع أطباء أتراك، لاحظت إنقسام أرائهم حول العملية إلى ثلاث مقاربات. المقاربة الأولى تقليدية وتستمد قوتها من الأفكار الإسلامية التي لا تقبل بالعلاقة الجنسية خارج إطار الزواج، فيرفض أصحاب هذة الأفكار إجراء العملية متذرّعين بعدم قانونيتها. المقاربة الثانية تعتمد على أيديولوجيا الجندر الليبرالية المبنية على فكرة إرضاء النساء لشهوات الرجال مع المحافظة على النفاق الإجتماعي. فهؤلاء الأطباء يقبلون بقيام العملية لأنهم يتفهمون واقعية الأمر وفي الذات نفسه يعتبرون القيام بها واجب لحماية النساء من القتل والتهميش (كما يمكن أخذ المحفز المالي الباهظ في عين الإعتبار هنا). أما المقاربة الثالثة والأخيرة فهي للأطباء الذين يرفضون القيام بتلك العمليات ولكنهم يشجعونها. فهم يتعاطفون من النساء اللواتي يطلبن العملية ولكنهم لا يريدون المجازفة. كما تناول البحث موضوع إختبارات العذرية حيث قال جميع الأطباء أنهم سيجرون هذا الإختبار اذا طُلب منهم، وقد تحجج بعضهم بحالات التحرش والإغتصاب التي ممكن أن تحتم مثل هذا الإختبار. تستخلص الباحثة من النتائج بعض النقاط المهمة: الأطباء هم نتاج النظام الإجتماعي القائم، وبالتالي، اذا كان هذا النظام قائم على السلطة الأبوية، فهم يعيدون إنتاج قيم هذا النظام من خلال ممارساتهم الطبية وارائهم التي تؤيد قيمة العذرية بشكل أو بآخر.

أما الإجهاض، والذي يعتبر الصفعة الأقوى الموجهة الى الهيمنة الذكورية، فقد أصبح وسيلة سياسية للتحكم والتصرف في جسد المرأة حسب أهواء الرجال في السلطة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تعاطي الطب معه. فكما كان الإنجاب تاريخيا أداة قوة في يد المرأة، أصبح هو الآخر إمتياز يفعل الرجل المستحيل من أجل إكتسابه لأسباب إقتصادية. لذا بات من الضروري أن يلجأ الرجال اليوم الى شتّى الطرق لتقويض جنسانية المرأة، وحق الإنجاب (أو عدمه) يشكل جزءً لا يتجزأ من هذه العملية. فالقانون اللبناني، على سبيل المثال، لا يعترف بحق المرأة في تقرير مصيرها إزاء الإنجاب، وهو يجرّم، نتيجة ذلك، الإجهاض إلا في حالة واحدة، وهي حالة ضرورة هذا الإجهاض لإنقاذ حياة الأم. فيحاسب قانون العقوبات المرأة التي تقوم بعملية الإجهاض بنفسها أو لديها نية القيام بذلك بالحبس إلى مدة أقصاها 3 سنوات، ممكن أن تُخَفَّف إذا كان “شرف” المرأة على المحك. كذلك يُعاقِب القانون الطبيب الذي يقوم بعمليات إجهاض للنساء بنفس المدة التي أقصاها 3 سنوات مع أعمال شاقة. لا يعترف القانون بحق المرأة بأخد القرار في حال الحمل، كما يعتمد بتعريفه للحمل على رأي الطب السائد بإبتدائه لحظة التلقيح. ونعود هنا إلى آالية تعاطي الأطباء مع النساء اللواتي يبحثن عن من يخلصهن من عبء الحمل لأي سبب كان وخلال الفترة الآمنة للقيام بالعملية، فيجدن أنفسهن ضحايا القانون الذي يتبع تجريمه للعملية إرتفاع بالأسعار، وضحايا السوق الحرة التي تدفع الأطباء للقيام بالعملية لا من أجل المساعدة، بل من أجل كسب أموال لكان سيكسبها غيرهم من الأطباء على كل حال.

بشكل او بآخر، يعمل الجهاز الطبي كوسيلة في يد الدولة للسيطرة على أجساد النساء، فيعكس السلطة الأبوية من خلال تعاطيه مع كافة شؤون المرأة. فنجد أنه في حالة العادة الشهرية، يتم التقليل من شأن آلام هذه التجربة الدورية لمعظم النساء بالرغم من إشارة جميع المعطيات إلى عكس ذلك، فتبقى النساء بلا حجة طبية حقيقية لأخذ إجازات عمل أو خدمات مجانية خاصة بآلامهن مغطاة من قبل شركات التأمين والضمان وغيرها. وفي حالة غشاء البكارة، تركز مؤسسات الدولة الذكورية على أهمية العذرية لمحاربة النساء في صراعهن للتحرر والإستقلال، فتستخدم الجهاز الطبي لإنتهاك أجساد النساء يوميا في المظاهرات والسجون لتلفيق تهم الدعارة والإنحلال الأخلاقي، وبالتالي تستفيد من الثقافة الذكورية المهيمنة للتقليل من شأن أي قضية تقف من أجلها المرأة، ويستفيد الأطباء بدورهم من إختلاس أسعار خيالية لإعادة إنتاج المعايير الجنسية المزدوجة. أما في حالة الإجهاض، فتستبدل الدولة الخدمات التقليدية للنساء بخدمات طبية حديثة وإجبارية، فتمنع عن النساء حرية إختيار الإجهاض وأساليب منع الحمل وغيرها من الخيارات التي كانت متوفرة سابقا مع “الدايات”، وتجعل من أجسادهن مصدر رزق لأطباء يمارسون “إجرامهم”  بسريّة وخطورة خلف الأبواب.

للتوضيح:

ردا على بعض التعليقات التي سمعتها بالنسبة للحراك النسوي التقاطعي في جامعة الLAU من النادي العلماني:

1) قبل إنتقاد التنظيم لـ”غير واقعيته” يجب أن ننظر الى كيف تحدد الواقعية السياسية من قبل منطق منحاز للنظام الموجود حاليا. الواقعية مرادفة لإعادة إنتاج الأنظمة، و بالنسبة لنا الواقعية ليست هدف، وهي تدفع بنا الى الخلف.

2) إختلافنا السياسي واضح بنفس إختلاف توجهنا و نوع الطلاب الذي نحاول إخراطهم بالتنظيم الجامعي. بينما يحاول النادي العلماني في الجامعة الأميركية في بيروت أن يجمع بين كل من يسمي نفسه “علماني” (من بقايا 14 أذار التقدميين أو ليبراليين أو يساريين ديمقراطيين)، نحن نعمل على تسييس المواقف الإجتماعية، المبنية على هويات متعددة متواجدة في حرم الجامعة. هذا الإختلاف مبني على إيمان النادي بأن العلمانية تكون في معظم الوقت مقيّدة ولا تسمح لنا بالتسيس. في المقابل، تعتمد النسوية التقاطعية على مبدأ تسييس المشاكل الشخصية و لها تأثير أكبر على الطلاب الجامعيين و خصوصا المهمشين منهم. 

3) بالرغم من شساعة أهدافنا السياسية ووجهات نظرنا، يتطرأ نقد النادي العلماني إلى الفرق بين تنظيمنا “الغير واقعي” و النائي وتنظيمهم السليم و المبني على خبرة. يبدو أن النادي العلماني في الجامعة الأميركية يتبنى سياسة الإقصاء الأعمى الذي لا يرى أي شيء غير التنظيم الليبرالي نموذجا للجميع ــ لا يرى الإختلاف بين الجامعات و الإدارات والطلاب. اقول للنادي العلماني أننا خرجنا عن الخوف اللبناني من اليسار وبهذا نبني سياستنا. إننا لا نخوض نفس المعركة و لا ننشط في الحرم الجامعي نفسه وبذلك المقارنة بيننا وبين النادي العلماني باطلة.

نأسف لأن النادي العلماني الذي يؤمن بالتقدمية السياسية يرفض تعددية طرق النضال. هدفنا الأخير تعزيز قدرات الطلاب على تحقيق مطالبهم و كسب خبرة التنظيم السياسي من أجل كسر الواقع الجامد و “الواقعي” للعمل ما بعد الجامعة. إن فشل الحراك الطلابي البديل دليل واضح على فشل هذا النوع من التنظيم في الجامعة اللبنانية الأمريكية. أتمنى ان يكون النقد بناء في المستقبل، على أمل تعزيز التنظيم الطلابي بين الجامعات.

  • مهدي زيدان

ما الذي يقلق الشارع اللبناني اليوم؟ 

شبح ينتاب لبنان – شبح؟… لا! ليس شبح النفايات، أو حتى شبح التمديد النيابي الفاسد. أما اذا أردنا أن نأخذ اكثر أشباح اليمين رعبا، فهو ليس شبح الفراغ الرئاسي، ولا حتّى شبح اليسار الجديد في أوروبا. انه شبح مخيف أكثر، كاد يشغل حيّزاً لا بأس به من تفكير اللبناني المعاصر على مواقع التواصل الإجتماعي. هو شبح العنوسة. نعم، كما سمعتم! الشبح، أو البعبع، الذي انتفض من أجله الشباب الشهم، وأعلنوا في سبيله خطط الإنقاذ والمعالجة هو شبح العنوسة، وما أدراكم ما العنوسة! بعد مرور اكثر من أسبوعين على نشر أحد المقالات المقيتة عن أعلى نسبة عنوسة في العالم العربي، تخطف احدى صحافيات موقع “بنت جبيل”- (bintjbeil.org) الأضواء لتتحرى عن هذا الشبح المخيف. وكأنّه لم يعد لدى لبنان مواضيع ساخنة يتقصاها الإعلام (كقضية قتل العروس ذات التسعة عشر ربيعا على يد زوجها مثلا). يتسائل المشاهد هنا، في ظلّ قانون لبناني متآمر، لا يحمي الزوجات المعززات المكرّمات من العنف الأسري والقتل على يد المخلصين من العنوسة، هل يمكننا ان نلوم النساء على اختيارهن عدم الدخول الى المؤسسة الزوجية، في سنّ مبكرّة على الأقل؟ تتحرى الصحافية في تقريرها عن أسباب العنوسة التي بلغت نسبة ال ٨٥٪ في لبنان، وهي الأعلى في العالم العربي، فتسأل الشارع اللبناني عن آرائه. البعض يرجع المشكلة الى الوضع الاقتصادي الذي لا يسمح لزوجين ب “فتح بيت”. البعض الآخر يرجعه الى السقف العالي للمطالب لدى الفتيات في يومنا هذا. الوضع الاقتصادي في لبنان تعيس، ولا شك في ذلك، وهو بطبيعة الحال يؤثر على نسبة البطالة التي يعاني منها الشباب اللبناني. الأسوأ من ذلك هو السقف الزجاجي الذي ترتطم فيه المرأة عند دخولها سوق العمل لتجد بأنّها مهما ارتفعت رتبتها في عملها – و هو ارتفاع محدود دائما – سيبقى مدخولها يشكّل عائقاً على استقلالها، ويدفعها الى البحث عن شريك ذي مدخول أعلى يمكنه اكمال ما ينقصها في حال انجاب الأطفال. أغلب الوظائف التي تحتلها النساء هي وظائف تقليدية لا تأتي بمدخول يُذكر، مثل التمريض والتعليم والعمل الإجتماعي والأعمال الإدارية الجانبية وأخيرا الوظيفة الأسوأ من حيث العائدات: العمل المنزلي. تنعكس العوامل الاقتصادية بشكل أساسي على السقف العالي للمتطلبات، كما تنعكس العادات والتقاليد والتربية الإجتماعية للبنات والصبية في الوقت نفسه. ذاك أنّ السقف العالي للمتطلبات لا يأتي من فراغ، ولا يدلّ على طبيعة متطلبة او “دلّوعة” للفتاة. في حين المقابل يضع المجتمع وتركبيته الإقتصادية والجندرية كلها الحمل على أكتاف الرجل ليخدم ويلبّي حاجات المرأة كاملةً. فاذا افترضنا انّ الرجل اليوم يعاني من ثقل هذه الأدوار الجندرية وحده، فالأحرى بنا ان نتوقف عن تصنيف الفتيات في خانتين: إمّا مضحيّة تتخلّى عن قيمتها في سبيل الزواج والسترة فلا تتطلّب كثيرا، وإمّا سقفها عالي لا تقبل بأقلّ من قيمتها وما سيضمن لها الراحة، التي من المفترض ان تؤمن لها في منزل والدها أساسا. المسألة تتعدّى مبادىء التضحية والشهامة والقبول بما يجلبه العريس الى الطاولة في سبيل الدخول الى المؤسسة الزوجية. والحلّ الأكثر راديكالية لهذه المعضلة يتطلب ان ننظر الى المسألة في جذورها، فالأدوار التقليدية ضمن النظام الرأسمالي الأبوي تضع الرجل في دور مورد الرزق، كما تضع المرأة في مكانة مقدّسّة لا يسمح المساس بها، الا في الحالات الخاصة التي تتصل بشرف العائلة الأبويّة. فالمرأة المضحيّة هي التي تعمل بكدّ داخل المنزل دون تقدير فعلي او بدل مالي. بالتالي، عمل المرأة خارج نطاق المنزل وفي المساحة العامة يراه الكثيرون تعدّ على الهرمية الأبويّة، وهو إن كان مسموحاً يُعتبر شذوذا عن القاعدة ويرجع لأسباب لا تمس بقدسية تلك الهرمية. فالمرأة تحصل شهادتها التعليمية كي تحمي نفسها في الحالات الطارئة مثل الترمل أو الطلاق، أو كي تتسلّى وتضيّع وقتها، وغيرها من الأسباب التي لا ترتفع الى مقام الإستقلالية الاقتصادية او تحقيق الذات وما إلى ذلك من أسباب تتغنّى بها “النسوية البيضاء” اليوم. كما ويلقى بهذا الاستقلال على عاتق الرجل، والرجل نفسه يرفض الترجلّ عن تلك المنصة، فيبين التناقض عندما يشكو من العبء الكائن عليه بسبب وقوفه على تلك المنصة ذاتها. هذا ولم يتطرق أحد من المشاركين في التقرير الى عادة “المهر” الذي يتوجّب دفعه لإقتناء زوجة، وكيف يجب التعامل مع هذه العادة في ظلّ الوضع اليوم، خاصّة وأنّ عادة إعطاء المهر للعروس تحدد الكثير من أساسيّات الزواج في المجتمع. فالمجتمعات التي يُمارس فيها نوع من إعطاء مبلغ أو ثروة مالية معيّنة للعروس أو لأهلها تحتّم على الرجل بأن يقضي فترة معيّنة في تجميعها، وبالتالي يتأخّر سن زواجه بينما تُزوج الفتيات مبكراً، وهذا ما يجعل فارق العمر طبيعي، كما ويحدد أنّ الرجل هو الأكبر سنّاً دائما داخل العلاقة الزوجية، فيصبح من الصعب أن نتخيّل عروس في سنّ متأخرّة في تلك المجتمعات وتكسب العنوسة معناها. بالعودة إلى التقرير، تم ذكر ازدياد الإناث عبر التكاثر – ولا أساس لذلك – و لم يتم النظر الى الهجرات التي غالبا ما يقيمها الشباب وتحرم منها الشابات، وهذا امر يتحمّل عواقبه تركيب المجتمع الأبوي. التقرير لم يقف عند هذا الحد، بل تجرأ وسأل الشارع اللبناني عن رأيه بالحلول. الأغلبية قدّموا حلولا تتبنى منحى اقتصادي، ففي حال تحسين الوضع الاقتصادي في لبنان تنحل كل الأمور ومنها مشكلة، أو شبح، العنوسة. لا يفهم المشاهد ماهيّة تلك الحلول وأين تقف من النظام الكائن في لبنان وكيف يمكنها أن تحلّ المشكلة العاجلة بتحسينها. تعود الصحافية وتسأل بكل قلق عن حلّ المشكلة، فنسمع بعض “النكات” التي ترجع المشكلة الى عدم تطبيق الشرع، فيقترح أحد المشاركين النغشين ان يتزوج الرجل أربعة نساء لإنقاذهن من العنوسة. نقع في تناقض آخر يعامل مسألة العنوسة كمشكلة حلّها هو اقتناء العدد الأكبر من الجواري والإماء كي ينتسبن لحرم زوجي، وطبعا كما يقول المثل الشعبي: “ظل راجل ولا ظل حيطة”. الشاب الذي أعاد المسألة الى الشحّ المادي منذ قليل بدأ بإقتراح تعدد الزوجات، ولو أن المشكلة تكمن حقّا في قلّة الموارد والبطالة والوضع الاقتصادي المؤزم، لكان الحل في تعدد الأزواج للمرأة الواحدة للحد من النسل. وهنا لا اريد أن اخوض في مسألة تعدد الزوجات كونها اخذت قدرها الكافي من النقاش، وكون التعدد قد أُثبت عجزه في صنع تغيير، في ظل تحميل المجتمع الذكوري وأدواره الجندرية التقليدية مسؤولية الحمل الثقيل على الرجل في إقدامه على الزواج من امرأة واحدة. بعيدا عن النقاش المبتذل في كلّ ذلك، اعتقد ان المشكلة الأساسية هي في ما تحمله كلمة “عنوسة” من تبعات سلبية. اذ كان ليس بمقدورنا تغيير المفردات، من الواجب علينا تغيير المعنى، وانا أؤمن أشدّ الايمان أن تغيير المجتمع واللغة يأتي من الجهتين. فلماذا علينا ان نعامل العنوسة، أو العزوبية، على انّها مشكلة عويصة؟ ما الذي يجعل عنوسة المرأة مختلفة كل الاختلاف عن عزوبية الرجل؟ ومتى نتنهي من تقييد مسار المرأة بالتقاليد لينتهي بزواجها وبإنشائها أسرة تحقق غريزة الأمومة من خلالها؟ وهل تحتاج المرأة الى هبة الزواج لتكملّها، بينما هو خيار يأخذه الرجل متى شاء؟ أذكر أول سنة لي في الجامعة؛ كنّا في صف علوم الحياة العامة وشرح لنا أستاذنا حينها عن المرأة في مراحل حياتها، مشبهها في ذلك بالفاكهة التي تنضج ألوانها كي تصبح جذّابة للحيوان. فالمرأة عند نضوجها بعد البلوغ تصبح في مراحلها الأكثر جمالا ورونقاً، قادرة على جذب الرجل. تخسر ذلك السحر بعد بلوغها “سن اليأس” لأنها تفقد المقدرة على الإنجاب، وبالتالي تسقط حاجة الرجل لها لتأمين إستمرارية نسله. “خدعة التطور”؛ هكذا أسماها. ربّما علينا نحن كمؤمنين بالعلم أن نتوقّف عن اسقاط ما تخطّه المعتقدات الإجتماعية في عقولنا على ما ندرس أولاً، فنفصل بينهما ونتوقف عن النظر للمرأة كسلعة، كفاكهة، او كأي شي  ء ذو هدف اشباعي للآخر، ونكرّس وقتنا لمعالجة مشاكلها الحقيقية لبعض الوقت… أو لمواجهة بعض الأشباح الأخرى الأكثر رعبا من شبح “العنوسة”.