إبنتي حبيبتي

إلى إبنتي التي لن تولد و لن تكون،

أفكر بكِ عشية إمتحاناتي الجامعية و كأنك جزء من حقيقتي، و ربما أفكر بك بمعزل عن التسمية فتكونين الجزء الآخر مني الذي لطالما تجاهلت. أخاف عليك كثيرا و أخاف من عتاباتك و لذا فقد حضّرت لك بعض أسباب إمتناعي عن إحضارك إلى الحياة مستقبلا (أو قمعك إن كنتِ منّي). 

أعيش متخوّفة من فكرة الإستسلام لك و لإصرارك على القدوم يوما ما عن طريقي و لكنّي مصرّة، و لا أريدك أن تأتي فتشتميني يوما مع أصدقائك بعد نقاشكم الحاد عن الفجوات بين الطبقات و اللاعدالة في الحدود، أو أن تكتبي عني في مذكراتك فتجعليني سبب تعاستك المراهقة.

أخاف أن تأتي فأكبلّك في اللحظة التي أرى فيها نفسي فيكِ. فكم أحب وجودك في الصفوف الأولى للمظاهرات و كم أخاف عليك من قبضة رجل أمن داخل الزنزانة. و هل أحضرك إلى الحياة و الحياة ما زالت تتطلب من أبنائها الإصطفاف في مظاهرات للمطالبة بأدنى مقومات الحياة؟ لا، لا. أخاف عليك من النقص و الفقر و الفقدان. بل أخاف أن تأتي فتكبري في زمن لا مياه فيه سوى للأغنياء، و تقفي منذ طلوع الشمس في صف طويل كي تحضري لي و لك ماءً نعتاش منه لباقي الأسبوع. أخاف ألّا يكون معك مالٌ كافي كي تتنفسي الهواء الطلق. أخاف أن أورثك بطاقتي الزرقاء فتصبحي لاجئة أيضا. ألّا يحق لي الخوف عليك من اللجوء في أرض غير صالحة لأمثالنا؟ أخاف عليك من كل هذا و أكثر.

أخاف عليك من الموت البطيء و قصر العمر. في زماني، يا عزيزتي، كان قسم من البشر يتمتع بخدمات صحية و تطور مدد لها أعمارها بعشرات السنين، و كنا نحلم، نحن الهالكون في جنوب الأرض، أن تصلنا تلك النعم فنعمّر في الأرض مثلهم أيضا. كنا نحلم بعدالة إجتماعية تنشلنا من الحضيض، و ببطاقات صحية تجعل موتنا أمام المستشفيات مستحيل. كم كنا متوهمين و منفصلين عن الواقع! أي عمر مديد هو هذا الذي كنا نحلم به و هوائنا عبء و مياهنا دنس و ترابنا سموم؟ و بالرغم من ذلك كنا نشرب كثيرا و ندخن كثيرا و نتنشق سموم أسلحة العالم المعمّر في كل مكان. قصّرنا حياتنا بعشرات السنين و أخاف ألّا تبلغي العاشرة من عمرك بسلام. أعترف أنّي أبغض السلام لي و لكنّي أريده لك.

أخاف أن تغدريني فتأتي صبيا لا فتاة، فتكبرين لتصبحي رجلا أرى فيه كل ما أخاف منه بالرغم من تعبي على تربايته. أخاف أن تصبحي مراهقا يرى في أصدقائه الذكوريين ملاذا من شيطنة والدته، فيكرهني و يشتمني و يتمنى قتلي لما أسببه له من حرج. أخاف الصبية الصغار و لو كانوا تحت عهدتي، و أخاف ألّا تأتي و تتركيني حبيسة ذلك.

أخاف أن أعطيكي نصائح قاسية عندما تحبّين، فأنصحك أن تقصّي شعرك الذي لامسته أنامل حبيب سافر و أنت تحبّين شعرك طويلا. أخاف أن تفضّلي سريرك على حضني عندما تشعرين باليأس و الوحدة، و أن ننزوي كلانا منفصلتين فيأكلني الندم على كل مرة نمت فيها بعيدة عن أمّي. أخاف أن أعلمك الاستقلال فتحبينه أكثر منّي. فأنا أحبّ سعادتك اكثر من أي شيء و في الوقت نفسه يؤلمني إبتعادك عنّي. سأعطيك كل الحريّة التي تريدين شرط أن تقبّلي وجنتاي قبل النوم. هل ترين الأنانية في كل ذلك؟ أنا أعي حقيقة تلك الأمور جيدا، و أخاف أن أحضرك كما تريدين و موافاة لحشريتك و تطلّعك للحياة فتكرهينها و لا ترين في مجيئك سوى إسقاط لأنانيتي.

أريدك أن تحبّي فلسطين و سوريا و العراق، أريدك أن تحبّي كل الشعوب المقاومة و المعذبة، و أخاف أن تكبري فلا تري في هذا سوى مضيعة للوقت، و أن تجدي القضايا كلها سبب تعاسة الإنسان، فتفضلي راحتك على راحة الجميع. أخاف أن أجبرك على الإهتمام، و أنا بطبيعتي أمقت الراكدين. ألا ترين معضلتي؟

أرجو أن تتفهمي كلّ هذا و أن تسامحيني. سامحي عجزي أمام عجلة الحياة، و سامحي عجزي عن إنهاء الرسائل بزخاريف و كليشيهات الشكر و الوعود الفارغة.. سامحي بغضي لكل أشكال الحياة.

Advertisements

5 thoughts on “إبنتي حبيبتي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s