فلسطينيات في الشارع: دخلنا، ما دخلنا

اليوم كان مرهقاً غير كلّ الأيام، رغم أنّه الأكثر هدوءاً. لم يرفع عليّ أحدهم سكيناً، ولم أُلاحق متحرشّاً لأخبره أن يبعد عن “شارعنا”، ولم أهرب من شارع إلى آخر بسبب الإعتقالات، ولم أبقى أكثر من ١٠ ساعات في ساحة رياض الصلح. قررت أن أعود إلى المنزل على الساعة الثامنة مساءً. أمي فرحة جداً بالخبر على الواتساب، وكانت قد أرسلت لي عدّة رسائل منذ الصباح تخبرني فيها أنّها لا تريد أن تراني في صور الإعتقال. هذه بلدهم، هذه مظاهراتهم، “ما دخلنا”. إذا تم اعتقالي، سيتضمن الخبر جنسيتي، تماماً كعناوين أخبار التعدّي على استراحة في صور، حيث تمّ ذكر جنسيات الأفراد على أنهم لبنانيين وفلسطينيين في العنوان قصداً. لن تقف هنا، فأنا أعرف ما الذي يحدث للاجئين عند اعتقالهم. إذا اللبناني نفسه يٌضرب، فالمثلي السوري الذي يُعتقل يتم تأديبه لنشر رذيلته في “بلدهم”، والفلسطيني الذي يُعتقل من أجل حشيشة يقبع ثلاث سنوات في سجن رومية دون محاكمة بدلاً من يومين في المخفر.

لم أعد للمنزل باكراً من أجل أمي، فأنا هذه الأيام أقوم بثورتي الخاصّة على عائلتي. عدت لأني تعبة؛ جسدي هزيل ولا يتحمّل ٧ أيام من المشي والركض والصراخ وأكل البسكوت على الفطور والغذاء والعشاء. صديقتي الفلسطينية تنتظرني حتّى آخذ سيارة تاكسي لتطمئن أنّي سأعود للمنزل آمنة. أركبها وداخلها شاب وصبيّة، يعتنق كلّاً منهما علماً لبنانياً. تقول له “ضاقت خلاقي وأنا ناطريتك”، فأسألها إذا كانت فلسطينية بسبب اللهجة. تجيب بنعم، أبتسم، “أنا كمان”، ندردش قليلاً، هي من بيروت، أصلها من عكّا، لكنها لا تعرف من أي مخيّم من لبنان. نحن اللاجئين عندما نُسأل “من وين إنت” تكون الإجابة على ثلاثة مراحل: أين نسكن اليوم في لبنان، من أين جئنا (جيل النكبة بالتحديد) من فلسطين، وعن المخيم الذي عاشت فيه أول أجيال لنا هنا. أنا من صيدا، أصلي من سحماتا، عائلتي سكنت مخيم الرشيدية في صور. أستغرب عندما لا تعرف الصبيّة المخيّم الذي عاش فيه أهلها. لكنها فلسطينية، تحمل العلم اللبناني، تنزل إلى المظاهرات يومياً، كصديقاتي وأصدقائي الذين كنّا معهم في حراك المخيمات من أجل المطالبة بالحقوق المدنية للفلسطينيين منذ أشهر قليلة فقط. نرى بعضنا البعض اليوم في ساحة الشهداء ورياض الصلح، ونتبادل الإبتسامات، وكلّاً منّا يقول للآخر “يا فلسطيني شو عم تعمل هون؟”. ما أحبطه صمت الشارع اللبناني عن حراك المخيمات أحياه شعارات الحب والدعم من رفاقنا في رياض الصلح. نحبّ الشارع، غصباً عنّا.

أنزل إلى الشارع بحماس وقلق. فأنا أشعر بالاغتراب ضمن أغلب المجموعات السياسية، وأشعر بالحاجة لذكر هويتي لكي أرى تعابير الوجوه وأتوقع تغيّر الخطاب، ولكي أشعر بأني لست ممحية ضمن حراك استبدل أعلام الأحزاب بأعلام لبنان – تقدّم محرز، لا أزال لست جزءاً منه فعلياً. كيف أبرر نزولي إلى الشارع دون اللجوء لكليشيهات لا أؤمن بها. فأنا لا أحب لبنان اليوم، لا أحب لبنان هذا، لا أشعر بالإنتماء، والشعور متبادل. الوطنية بالنسبة لي عنف مبطّن ومباشر في الآن نفسه تجاهي وتجاه باقي اللاجئين والمهاجرين. أسمع أغاني مثل “قلّن إنك لبناني” وتلعي نفسي قليلاً، لأنّي فعلياً لا أفهم ما داعي الفخر هذا. لا أستطيع أن ألف رأسي بالعلم كالفلسطينية التي صادفتها بسيارة التاكسي، ولا أستطيع أن أنسى المخيم الذي عاش فيه والداي وجدودي، ولا المخيم الذي نُقِلوا منه إلى آخر في جرافات كالخراف، ولا المخيم الذي قُتِل جدّي على حاجزه. لا أستطيع أن أنسى لأنه ليس مسموحاً لي. عندما أعطي هويتي، أي بطاقة اللاجيء الزرقاء، إلى عامل في خدمة معينة، عند طلبها، ويسألني إذا كانت هوية حقيقية.. ٧٢ سنة بهالبلد يا زلمة، لم تصادف هوية فلسطينية؟ كيف بنسى؟

أنزل وأنا أعلم تلك الهوية نفسها ستزيد مصائبي عشرة إذا تمّ توقيفي، وإذا سُإلت عمّ أفعله لن أستطيع أن أكذب، لن أقول “بحب لبنان، بلدي التاني”. أود أن أحب لبنان كي أنجو. أتعب وأنا أفكر بخيارات اللجوء والهجرة التي تضيق بي. أي بلد تستقبلنا دون تحرّي عن آرائنا السياسية، وأي بلد سلمت من لساني؟ أي بلد تستقبلني أنا وكل من أحبهم، كل لا أدخل دوامة اكتئاب وقلق جديدة لسنين، ولكي لا يزيد شعوري بالاغتراب أضعافاً؟ أود أن أحب لبنان لكي يصبح وجودي فيه أقل إرهاقاً. أنزل إلى الشارع من أجل حقوقي المدنية. أنزل لكي لا أغيّر لكنتي في الأشرفية عندما أتكلم في السياسة. أنزل لكي لا تعود صيدا المدينة الوحيدة التي يمكنني أن أشعر فيها بالأمان في حال نشوب أحداث أمنية لأن أكثر من نصفها لاجئين. أنزل من أجل لبنان أفضل، أستطيع حبّه لأن اللاجئات والكويريات والعابرات والعاملات المهاجرات يشعرن بالأمان فيه. لكي لا يحكمنا الخوف عندما نمرّ أمام الأمن ويتحرّش بنا رجاله. لكي لا يُبنى جدار فصل عنصري آخر يطوق المخيمات. لكي لا نخسر بيت طفولتنا عندما تتوّفى أمّي. لكي لا أخاف من تكاليف المستشفى عندما تمرض. لكي يسقط نظام الكفالة. لكي يصبح وطناً آمناً وكريماً لكل النساء. أنزل لأني أمقت العيش هنا، ولا أريد أن أستثمر المزيد من الجهد والتعب في صنع منزلاً آخراً في بلد آخر.

فلسطينية، مخرّبة، مندسة، لربما يعود هذا النص عليّ بضرر، لكنّي أنا ورفيقاتي الفلسطينيات جزءاً من نسيج المعارضة في الشوارع، لا نريد أن نعيد أخطاء القيادات الفلسطينية السابقة في الإصطفاف إلى جانب الديكتاتوريات وما يمليه التمويل، ولا نريد أن نبقى عالقات في ظلّ الحرب الأهلية، ولا نريد أن يبقى شعور الاغتراب المفروض علينا في البلاد التي ولدنا فيها ونعيش تغيراتها واقعاً. نفخر بحراك مثل “طالعات”، والخطاب الذي يرى مجابهة الأبوية جزء أساسي من مجابهة الإستعمار، ونحن اليوم طالعات لنضع مجابهة الإقصاء والتمييز والتهميش المؤسساتي ضد اللاجئات والمهاجرات في بلاد الغربة كشرط من أجل تحرر الأرض والإنسان، نرفض أن نستخدم كورقة لإجهاض مطالب الشعب، أو شمّاعة فشل وتخوين وتخويف، لإبعاد الأنظار عن أحقيّة تلك المطالب. فإذا أردتم أن تضخوا سمّاً عبر عناوين تذكر أنّ اللاجئين هم وراء الحراك، فالعار لمن لا يرى في ذلك شهادة.

أساطير الساحرات: مقابلة مع سيلفيا فيديريتشي (ترجمة)

ملاحظات الترجمة:

النص التالي هو ترجمتي لمقابلة مع النسوية الاشتراكية والباحثة سيلفيا فيديريتشي، تم ترجمتها للإنجليزية ونشرها في موقع “Viewpoint Magazine“. عدّلت فيها قليلاً لأتجنب الترجمة الحرفية خوفاً من ضياع المعنى المقصود. كما صارعت بعض الشيء مع ترجمة كلمة “Reproductive”، فاستعنت أحياناً بـ “الإنجابي” عندما تكون في سياق “Reproductive Labor” فتصبح “العمل الإنجابي”، كما ورد في أحد أعداد مجلة كحل، أو بـ “إعادة الإنتاج” عندما تكون في سياق “Social Reproduction”، أي “إعادة الإنتاج الاجتماعي”، مع العلم أنّ المعنى لا يتغيّر كثيراً. فالعمل الإنجابي، وهو مفهوم نسوي، يتضمن العمل الرعائي، من إنجاب لعمل منزلي لإهتمام بالأطفال والزوج لطبخ (وحتّى الجنس)، كلّها أعمال متوقعة، مطبّعة ومطلوبة من نساء العائلة، لا سيّما الأم، وأحياناً البنات الإناث عند بلوغهن عمر معيّن. تلك الأعمال تضمن سيرورة العائلة النواة كعائلة تنتج عمّالاً للنظام الإقتصادي القائم.  أمّا إعادة الإنتاج الاجتماعي، وهي مفهوم ماركسي، فتتضمن العمل الإنجابي، وتتممه، بل تصبغه بطابع اجتماعي، فتكون التربية والرعاية مبنية على نقل مفاهيم وأخلاق النظام الاقتصادي القائم، أي الرأسمالية، إلى الجيل القادم، لضمان إستمرارية اللاعدالة واللامساواة. يتم ذلك بشكل أساسي على يدّ الأم التي تربّي الأطفال، أي العمال والمواطنين المستقبليين، والتي تُحمّل مسؤولية تعليمهم أخلاقيات العنصرية والأبوية والتراتبية الهرمية والإيمان بقيم التنافس والاجتهاد والعمل الدؤوب في سبيل عجلة الإقتصاد. يأخذ الأب على عاتقه بعض تلك المسؤولية، كمّا تحمله المؤسسات التعليمية والإعلامية لاحقاً.

تكتب فيديريتشي بشكل رئيسي عن علاقة اضطهاد النساء تاريخياً بالأرض، وتأثير المرحلة الإنتقالية من الإقطاعية إلى الرأسمالية على جنسانية النساء وتحجيم أدوارهن إلى الحيّز الخاص، كما لديها تأريخ موّسع عن جرائم حرق الساحرات، أي نبذ النساء غير المعياريات، في أوروبا وأميركا الشمالية. كان لفيديريتشي دور مهمّ في حركة المطالبة بأجور مقابل الأعمال المنزلية في الستينات، يمكن قراءة بيانها المترجم عن تلك الحركة هنا.

الرسمة المرفقة هي لـ Agostino Veneziano تحت عنوان “طريق الساحرات”

 


أساطير الساحرات: مقابلة مع سيلفيا فيديريتشي

مقدمة

في كتابها “كاليبان والساحرة: النساء والجسد والتراكم البدائي” (Autonomedia، 2004)، ترى النسوية الإيطالية سيلفيا فيديريتشي قتل الساحرات كعامل مؤسس للنظام الرأسمالي الذي يروّض النساء، فارضاً عليهن إعادة إنتاج القوى العاملة كشغل قسري دون أي تعويض. ترى فيديريتشي ساحة صراع رئيسية للحركات النسائية في عملية إعادة إنتاج القوى العاملة تلك.

هذه ليست بقصّة خيالية، ولا تقتصر على الساحرات فقط. تمتد شخصية “الساحرة” لتشمل شخصيات نسائية وأنثوية أخرى: الكافرة والمعالجة والقابلة القانونية والزوجة غير المطيعة والإمرأة التي تتجرأ وتعيش وحدها والإمرأة الممارسة للشعوذة التي تسمم طعام سيّدها وتلهم العبيد على التمرّد. الرأسمالية، منذ بدايتها، مستمرة في محاربة تلك النساء بحدّة وإرهاب.

في “كاليبان والساحرة”، تسأل فيديريتشي أسئلة جوهريّة عن هذه الصورة الرمزية للأنثى: لماذا تحتاج الرأسمالية، منذ بدايتها، إلى شنّ الحرب ضد أولئك النساء؟ لماذا كان إصطياد الساحرات من أكثر المجازر وحشيةً، لكن أقلها ذكراً عبر التاريخ؟ما الذي كان يُهدف إلى التخلّص منه عند إرسال أولئك النساء إلى المشنقة؟ لماذا يمكننا رؤية وجه شبه بين تلك الساحرات والعبيد السود في مستعمرات أميركا؟

وُلِدت سيلفيا فيديرتشي في إيطاليا، ولكنها عاشت في أميركا منذ الستينيات. هناك، تطوّر نضالها النسوي وعملها مع حركة تحرر السود. كانت من مؤسسي الشبكة العالمية للأجور من أجل الأعمال المنزلية. خلال الثمانينات، عاشت ودرّست في نيجيريا، حيث عملت مع منظمات نسائية ضد سياسات الإصلاحات البنيوية التي كان يتم تجربتها في القارة الأفريقية.

عنوان كتابها يأخذ من شخصيتين شايكسبيريتين: كاليبان هو المتمرد المناهض للإستعمار، العامل العبد الذي يقاوم؛ أمّا الساحرة، المنبوذة في الخلفية من قبل الكاتب الإنجليزي، فهي تأسر المشهد الآن: نبذها يمثل بداية إخضاع النساء، وسرقة المعرفة التي أعطتهنّ الاستقلالية للقيام بمهام التوليد، وتحويل الأمومة إلى عمل قسري، وتقليل قيمة العمل الانجابي إلى حد عدم إعتباره عملاً أساساً، والإنتشار الواسع للدعارة مقابل خسارة الأراضي المجتمعية. معاً، يجمع الإسمان كاليبان والساحرة الأبعاد العنصرية والتمييزية ضد النساء للتأديب الذي سعى الرأسمال إلى فرضه على الأجساد، وفي الوقت نفسه، يمثلان الشخصيات السوقية وغير المطيعة التي يتم المقاومة من خلالها.

بمناسبة إطلاق الكتاب في معرض “بوينس آيرس” للكتب، نقدم لكم حديثنا مع المقاومة المتحمسة والبليغة، التي خطّت العلاقة بين تاريخ الساحرات والنقاش حول العمل المنزلي المؤنّث. لفيديريتشي، “كلّ ما يتعلّق بـ ’الإنجاب/ إعادة الإنتاج‘ يستمر كمساحة نضال أساسية للنساء اليوم، كما كان للحركة النسوية في السبعينات، وكمدخل لتاريخ الساحرات.”

من إيطاليا إلى الولايات المتحدة

شقّتها في بروكلين مهيّئة للكتابة والعمل والبحث. تتبعثر مئات الأوراق والملفات فيها، لكنها منظمّة بإتقان. تملأ الصور العائلية والملصقات السياسية الحيطان، مزينة بالألوان والذكريات. مطبخها، ربما المساحة الوحيدة دون أوراق، مضيء ويوحي بوجبة الباستا التي حضّرها توه زوجها الفيلسوف جورج كافينتيز. تتبدل المقابلة بين الإنجليزية والإيطالية، اللغتين اللتين تعيش من خلالهما سيرتها الذاتية.

فيرونيكا غاجو: كيف بدأ نضالك النسوي في الولايات المتحدة؟

سيلفيا فيديريتشي: وصلت إلى الولايات المتحدة عام 1967. شاركت في الحركة الطلابية مع حركة مناهضة الحرب. كما بدأت نشاطي مع حركة الأجور مقابل الأعمال المنزلية وعملي السياسي الدائم كنسوية. عام 1972، أسسنا التجمع النسوي العالمي، الذي أخذ حركة الأجور مقابل الأعمال المنزلية إلى العالمية. تقبع جذور نسويّتي بشكل أساسي في تجربتي كامرأة تكبر في مجتمع قمعي، فإيطاليا في الخمسينات كانت: مناهضة للشيوعية وأبوية وكاثوليكية ومنهكة من الحرب. كانت الحرب العالمية الثانية مهمّة من أجل تطور النسوية في إيطاليا، كونها أشارت إلى لحظة تفكك علاقة النساء بالدولة والعائلة لأنها جعلت النساء يفهمن أنه عليهن أن يصبحن مستقلات، وأنه لا يمكن لهن أن يضعن قدراتهن على النجاة في أيدي الرجال والعائلة الأبوية، وأنهن لسن بحاجة إلى إنجاب المزيد من الأطفال لترسلهم الدولة إلى المذبحة.

ما هي الجذور النظرية؟

نظرياً، تكوّنت نسويتي من مزيج من المواضيع الآتية من حركة إستقلالية العمال في إيطاليا وحركات العاطلين عن العمل تماما، كما من حركة مناهضة الاستعمار وحركة الحقوق المدنية وحركة قوة السود في الولايات المتحدة. في السبعينات، ألهمتني أيضاً حركة الحقوق الرعوية الوطنية، وقد كانت حركة مكوّنة من النساء، خاصة السود، قاومت للحصول على إعانات لأطفالهن من الدولة. بالنسبة لنا، كانت تلك الحركة نسوية لأنها أظهرت أن العمل المنزلي والاهتمام بالأطفال هما أعمال اجتماعية يستفيد منها جميع الموظفين، وأن الدولة عليها التزامات فيما يتعلق بإعادة الانتاج الاجتماعي. هدفنا الأساسي كان إظهار العمل المنزلي كعمل حقيقي، لا خدمة خاصة، لأنه العمل الذي ينتج قوى العمل. نظّمنا مؤتمرات ونشاطات ومسيرات، دائماً بهدف إظهار العمل المنزلي بمعناه الواسع: بتورطه مع الجنسانية وعلاقته مع الأطفال، ودائما ملقيين الضوء على العوامل المبطّنة والحاجة لتغيير مفهوم إعادة الإنتاج/الإنجاب ومركزة ذلك السؤال في العمل السياسي.

من أجل الأجر وضد الأجر

ماذا عن الصراع بين النضال من أجل الأجر والنضال ضد الأجر؟

في نظرنا، عندما تحارب النساء من أجل أجور مقابل الأعمال المنزلية، تحارب أيضاً ضد هذا العمل، كون العمل المنزلي يستمر طالما وكلما كان غير مدفوع. مثله مثل العبودية. المطالبة بأجور منزلية محى الصفة الطبيعية لاستعباد النساء. لذا، فإن الأجر ليس الهدف النهائي، بل وسيلة، أي استراتيجية، لتحقيق تغيير في علاقات القوى بين النساء والرأسمال. هدف نضالنا كان تحويل العمل الاستعبادي المستغل الذي تم تطبيعه بسبب طبيعته كغير مدفوع إلى عمل معترف به اجتماعياً؛ كان لتدمير التقسيم الجنسي للشغل المبني على قوّة تحكّم الأجر الذكري بالعمل الإنجابي الأنثوي، والذي أسميه بـ “أبوية الأجر” في كتاب “كاليبان والساحرة”. في الوقت نفسه، طرحنا أن نتخطّى كل اللوم الناتج عن اعتبار هذا الشغل التزام نسائي، واعتباره مهنة نسائية.

لذا هناك رفض وفي الآن نفسه إعادة تقييم للعمل المنزلي؟

الرفض ليس لإعادة الإنتاج بحد ذاته، ولكن نعم، هو رفض للحالة التي تتطلب منا جميعا، نساءً ورجال، أن نعيش إعادة الإنتاج، إلى الحد الذي يجعله إعادة إنتاج لقوى العمل وليس لنا نحن. أحد المواضيع التي كانت مركزية لنا كانت الطبيعة المزدوجة لعمل إعادة الإنتاج/ الإنجاب، لأنه ينتج الحياة واحتمال العيش والشخص، وفي الوقت نفسه ينتج قوى العمل: لهذا يتم ضبطه لهذه الدرجة. في نظرنا، نحن نتعامل مع نوع محدد من الشغل، ولهذا فالسؤال الأساسي بالنسبة لإعادة إنتاج/إنجاب الشخص هو: لما ومن أي ناحية يمكن تسعيره؟ هل يتم تسعيره للشخص نفسه أو من أجل السوق؟ من المهم فهم نضال النساء من أجل العمل المنزلي كمركزي في النضال ضد الرأسمالية. يذهب هذا النضال بالفعل إلى جذر إعادة الإنتاج الاجتماعي، يدمر العبودية التي تبنى عليها الرأسمالية ويدمر علاقات القوى التي تخلقها في جسد البروليتاريا.

كيف يغير طرح مركزية العمل المنزلي تحليل الرأسمالية؟

الاعتراف بأن قوى العمل ليست طبيعية، بل عليها إنتاج نفسها، يعني الاعتراف بأن كلّ الحياة تصبح قوى إنتاجية وكل العلاقات العائلية والجنسية تصبح علاقات إنتاج. ذلك يخبرنا بأن الرأسمالية لا تتطور داخل المصنع فقط، بل تتطور في المجتمع، والمجتمع يصبح مصنع العلاقات الرأسمالية، كمنطقة أساسية للتراكم الرأسمالي. لهذا السبب، الخطاب المتعلق بالعمل المنزلي، بالاختلافات الجندرية، بالعلاقات بين الرجال والنساء، ببناء النموذج الأنثوي، أساسي. اليوم، على سبيل المثال، النظر إلى العولمة من منظور العمل الإنجابي/الإنتاجي يسمح لنا، لأول مرّة، فهم سبب وجود النساء في مقدمة عمليات الهجرة. كما تسمح لنا بفهم أنّ عولمة ولبرلة الاقتصاد العالمي أدّت إلى تدمير أنظمة إعادة الإنتاج في بلدان العالم أجمع، ولِما تترك النساء مجتمعاتهن وأماكنهن ليبحثن عن أدوات إعادة إنتاج ولكي يحسنّ من ظروف حيواتهنّ.

التجربة في العالم الثالث

كيف أثّرت حياتك في نيجيريا في الثمانينات بإهتماماتك؟

العيش في نيجيريا كان مهمّاً للغاية لأني احتككت بالواقع الإفريقي وبما يسمّى بالعالم “المتأخر”. كانت عملية تثقيفية ضخمة. كنت هناك في خضم فترة (1984-1986) من السجال الاجتماعي المحتدم، حتّى في الجامعات، حول ما إذا كان يجب الاستدانة من صندوق النقد الدولي أم لا، بعد بدء أزمة الدين الضخم ونهاية مرحلة التطور الذي سببه الازدهار البترولي. رأينا بداية اللبرلة وأول عواقب ذلك البرنامج على المجتمع والمدارس: التغيّرات الحادّة في الصرف العام والحدّ من الإعانات في مجال الصحّة والتعليم وبداية سلسلة من صراعات الطلبة ضدّ صندوق النقد الدولي وبرنامجها للتأقلم البنيوي. كان من الواضح أنّ ذلك كلّه لم يكن مجرّد نزاع حرّكه الفقر، بل أنّه قد كان أيضاً احتجاج ضد برنامج إعادة استعمار سياسي. رأينا بشكل واضح كيف أنّه هنالك تقسيم عالمي جديد للعمل يتم صنعه وقد تضمّن إعادة استعمار رأسمالي لتلك البلدان.

هناك ثيمة عن البضائع المشتركة، وبالتحديد الأرض المشاعة، التي ظهرت في تلك الفترة…

نعم. الأمر المهم الآخر الذي تعلمته في نيجيريا كان عن مشكلة الأرض. قسم كبير من السكان كانوا يعتاشون من الأرض تحت نظام الملكية المشاعة. للنساء بالتحديد، الوصول للأرض عنى أنّه باستطاعتهن زرع ما يحتاجون للعيش، وفرصة إعادة إنتاج أنفسهن وعوائلهن دون الحاجة للجوء إلى السوق. كان ذلك أمراً مهمّاً في فهمي للعالم. وجودي في نيجيريا ساهم في فهمي لمشكلة الطاقة والبترول والحرب القائمة حول العالم بسبب شركات النفط. ما حصل في نيجيريا في الثمانينات هو نفسه ما جرى في أوروبا بعد عقد: في الأول، تفقير للجامعة الحكومية من أجل تحويلها لاحقاً إلى تجارية، لذلك كل ما تنتجه من معرفة موجّه نحو حاجات السوق بالشكل الأساسي، وكل ما يشذّ عن ذلك يتم تسخيفه.

ما هي البضائع المشتركة؟ ومن أين يأتي الخطاب حولها؟

في خطابات الستينات والسبعينات، مفهوم “الشيوع” لم يكن موجوداً. تمّ النضال من أجل أمور عدّة، لكن ليس من أجل الأمور “المشاعة” كما نفهمها اليوم. تأتي الفكرة نتيجة خصخصة ومحاولة إستملاك وتسويق الجسد والمعرفة والأرض والهواء والمياه بأكملها. لم تكن النتيجة مجرّد ردّة فعل، بل وعي سياسي حقيقي وجديد مرتبط بفكرتنا عن الحياة الجماعية، وقد أثارت تأمّلنا في الجانب الجماعي من حيواتنا. لذلك، هناك علاقة وطيدة بين المصادرة وإنتاج المشاع وأهميته كمفهوم حياتي للعلاقات الاجتماعية.

ما هو أثر التنظير النسوي فيما يتعلّق بالسؤال حول المشاع؟

طرح فكرة المشاع من وجهة نظر نسوية أساسي لأنه في الوقت الحالي النساء هنّ الأكثر استثماراً في الدفاع عن الموارد المشاعة وبناء أشكال أوسع من التعاونيات الاجتماعية. حول العالم، النساء هنّ منتجات الرزق الزراعي وهنّ من يدفعن الثمن الأغلى عند مصادرة وخصخصة الأراضي؛ في أفريقيا، على سبيل المثال، وجود الملكية المشاعة للأراضي والمياه أساسي لهنّ. أخيراً، وجهة النظر النسوية مهتمة بتنظيم المجتمع والمنزل. لأن ما يفاجئني هو أنّه ضمن كل تلك النقاشات عن المشاع، يتم التكلم عن الأرض والإنترنت، ولا أحد يذكر المنزل! الحركة النسوية التي بدأت من خلالها تحدّثت دائماً عن الجنسانية والأطفال والمنزل. لاحقاً، أصبحت مهتمة جدّاً بكيف يتم تعاطي التقليد النسوي والاشتراكي والأناركي النموذجي مع تلك الأمور. علينا خلق خطاب عن المنزل والأرض والعائلة، ووضعه في مركز سياسات المشاع. اليوم نرى أهمية خلق ممارسات تصنع لنا نماذج للمشاع.

ما الذي تقصدينه؟

على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، يعيش آلاف الناس اليوم في الشوارع، فيما يشبه المخيمات، بسبب سياسات الإخلاء القسرية. في الحاضر، هناك مخيمات في كاليفورنيا بسبب أزمة الإسكان. هذه لحظات تقوم فيها العلاقات الاجتماعية بتفكيك نفسها، وتشكل احتمالات لبناء نوع جديد من المجتمعية والتعاونية. أعتقد من هذا المنطلق ما يمكن رؤيته في حركة المستأجرين الذين يتمّ طردهم من منازلهم في الأرجنتين أساسي، كلحظة إحتاجت فيها العديد من النساء في حياتهم للمشاع. هذا بالتحديد هو إعادة إختراع الممارسات الشيوعية.

اجتماعات السحرة

كيف يمكنك تلخيص الهدف من اصطياد الساحرات؟

اصطياد الساحرات كان أساسيّاً في بناء النظام الأبوي حيث يتم وضع النساء وأعمالهنّ وقواهنّ الجنسية والإنجابية تحت سيطرة الدولة وتحويلها لموارد اقتصادية. هذا لقول أنّ صيّادي الساحرات لم يكونوا مهتمين بمعاقبة بعض التجاوزات بقدر اهتمامهم بالتخلّص من أشكال عامّة من التصرف الأنثوي الذي لم يعودوا يحتملونه والذي أصبح بذيئاً بنظر المجتمع.

 لهذا يمكن مدّ التهمة لآلاف النساء…

حملت تهمة الشعوذة وظيفة قريبة لتهمة “العمالة” – والتي، بشكل كبير، تمّ إدراجها في المواد القانونية الإنجليزية في الوقت نفسه تقريباً – وتهمة الإرهاب في عصرنا. الإبهام في تلك التهمة – وحقيقة أنّه كان من المستحيل التأكد منها وفي الوقت نفسه أدّت إلى أقصى أشكال الرعب – عنى أنّه بالإمكان استخدامها لمعاقبة أي نوع من الاحتجاج، بهدف خلق إرتياب، ومن ضمنها أكثر الجوانب العادية من الحياة اليومية.

هل يمكن القول أنّه عبر محاسبتهنّ، قد تمّ شنّ معركة كبيرة ضد إستقلالية النساء؟

تماماً كما تمّ مصادرة الأراضي المشاعة من الفلّاحين، تم مصادرة أجساد النساء منهنّ عبر اصطياد الساحرات، “محررّةً” بذلك تلك النساء من أي عراقيل تقف أمامهنّ كماكينات تنتج اليد العاملة. التهديد بالحرق كان كفيلاً بنصب عوائق جبّارة حول أجساد النساء، أكبر من تلك المفروضة عبر مصادرة الأراضي المشاعة. في الحقيقة، يمكننا تخيّل أثر ذلك على النساء عندما كنّ يشاهدن جاراتهنّ وصديقاتهنّ وقريباتهنّ يحرقن على الأوتاد، ويكتشفن أنّه أي محاولة لمنع الحمل يمكن أن يتم اعتبارها نتيجة شذوذ شيطاني.

في البحث عن المرأة الحقيقية

(الرسمة ل Julie Paschkiz، من كتاب Summer Birds، ٢٠١٠)

لندردش قليلاً عمّا يعنيه أن نكون نساء. دردشة حميمة، سأخوضها أنا بنفسي هنا، وأدعوكن كقارئات أن تخضنها معي في ذهونكن، مع صديقاتكن، وفي الحلقات النسوية – سواء كانت في الفضاء الافتراضي أم خارجها -. دعوة ليس الهدف منها خلق المزيد من الحقد والانقسامات (الموجودة فعليًا)، بل الحدّ من العنف الذي نساهم أحيانًا في استمراريته، ربما دون قصد. كما أنّه حديثٌ لطيف، ننسى أن نخوضه أحيانًا، بالرغم من أننا كنساء ونسويات نقضي وقتًا طويلاً ونحن نحاول الإضاءة على الحيوات التي نعيشها كنساء.

ما الذي يعنيه أن تكوني امرأة؟ عن نفسي، أنا امرأة تنسى كثيرًا. لا أذكر العديد من التعريفات التي قرأتها على يد نسويات ومفكرات حاولن فهم ما تعنيه تلك الكلمة واستنتاج الاضطهاد الذي نتعرض له من خلال ذلك التعريف. التعريف الوحيد الذي علق بذهني هو ما تبتدئ به المفكرة الفيلسوفة سيمون دو بوفوار كتابها الأشهر “الجنس الثاني”، فتقول “الشخص لا تولد، بل تصبح، امرأة”. كان ذلك مختلفًا عن العديد من التعريفات التي سبقتها ولحقتها بالنسبة لي، والتي وضعت تعريف المرأة بين فخذيها. المرأة تلك التي تولد بكُسّ. التي تملك مبيضين. التي تملك رحمُا. تلك التي تملك القدرة الإنجابية. تلك التي يمكن أن تصبح أمًّا إذا اختارت. تلك التي تتحمّل آلام الولادة. تلك التي تحيض شهريًّا وتتألم بصمت. المرأة قوية، رائعة، مبهرة، كونها تعيش، تنجو، تستمر، رغم كل مآسيها البيولوجية. تلك هي التعريفات التي نقرأها من نسويات وغير نسويات، يشرحنها، يحتفلن بها، وينظّمن على أساسها. لا أدري ما الذي قصدته دو بوفوار أكثر من الواضح للقارئات، أنّ تعريف المرأة تعريف اجتماعي أكثر مما هو بيولوجي. لا أعتقد أنها أرادت للعبارة أن تأخذ بعدًا أبعد من ذلك، لكنني أريد أن آخذها هناك. لنتسلّى قليلاً ونفكك تلك العبارة. كيف نصبح نساءً؟ قبل الغوص بالموضوع، لنمر على بعض الشروحات؟

لنعد إلى أساسيّات من المهم التفكير بها قبل أن نعود إلى دو بوفوار. قد تكوني ملمّة بها، وقد تكون جديدة بالنسبة لك. كيف نعرّف الجنس (الخانة اللطيفة على الهوية)؟ الجنس يحدد بيولوجيًا، وربما يظهر الأمر على أنه واضحٌ وبسيط، لكن الجنس بحد ذاته معقّد. فالمؤسسة الطبيّة تحدد الجنس بمجرّد النظر إلى الأعضاء التناسلية، ولا أحد ينظر أبعد من ذلك. بناءً على هذا الجنس، يمكن أن يعيش تؤام حياتين مختلفتين بشكل جذري، أحدهما يستطيع السهر على راحته، والأخرى عليها العودة إلى المنزل مبكرًا خوفًا من التحرّش ومن غضب الوالد والأخ. وقد يكون الجنس هذا نفسه مبهما أحيانا للأطباء. فحوالي نسبة ٢٪ من الأشخاص يولدون ويصنفون كإنترسكس*، أي أنّ أعضاءهم التناسلية لا يمكن حصرها في ثنائية ذكر أو أنثى، ربما لأنهم ولدوا بقضيب ومهبل، أو ببظر* أكبر من متوسط حجم البظر عادةً، أو بقضيب صغير جدًا، أو بتركيبة حمض نووي زلّت عن ثنائية xx و xy، فيكون لديهم خصائص ليست معتادة. الشرح المختصر عادةً هو أن الجنس بيولوجي، وبناءً عليه تُحدد ضوابط مختلفة لحياتنا، على عكس أمور أخرى كلون الشعر وحجم الأنف مثلاً. فالتصنيف أقرب للون البشرة والعرق الذي ننتمي إليه، ولكنه أكثر عبثية. وبالرغم من عبثيته، فهو تصنيف مهم جدًّا اجتماعيًا، عادةً نعرفه قبل أن نعرف إذا كانت صحة الطفل جيّدة أم لا.

الجنس البيولوجي يمهّد للجندر الاجتماعي، أو ما يسمّى أحيانًا بالنوع الاجتماعي. فبعد ذكر وأنثى، لدينا بنت وصبي، ولاحقًا امرأة ورجل. منذ الولادة، نبدأ بفرض توقعات عليهما لم تخلق معهما، بل زرعناها وغذيّناها وشجعناها. يتحجج البعض أن الاختلافات تلك بيولوجية لأنهم يرونها في أطفال بعمر العامين حتّى، لكن التنشئة الاجتماعية للجندر توجد قبل ذلك. فهي توجد بالتعامل والدلع مع الأطفال، توجد في من يسمح له من الطفلين إظهار أعضائهم التناسلية أمام “عمو” والفخر بها والضحك عليها، توجد في الكلام والألعاب والاهتمام. على عمر السنتين تحمل الفتاة دمية ونبدأ بإخبارها أن عليها الاهتمام بها وإلا ستموت، فهي لاحقًا ستصبح أمًّا، بينما يمكن لأخيها أن يحطم الطائرات البلاستيكية في لعبة الحرب على راحته. من أبسط الأمور إلى أكثرها تعقيدًا، نحن نبني الرجل ونبني المرأة. دور الأم أساسي وجوهري هنا في المنظومة الأبوية، فليس المتوقع منها فقط أن تؤدي مهام الطبخ والتنظيف والجنس والولادة والتربية، بل عليها أن تعيد إنتاج ذلك الدور في أطفالها أيضًا لكي يستمر النظام. لذا، فعلى الأم تربية الأطفال على ثنائية الجندر. عليها أن تعلم الصبي كيف يصبح رجلاً، كيف يكون واثقًا ومدافعًا وقويًا وخاليًا من مشاعر الحساسية، وأن تعلم البنت كيف تصبح امرأة، حنونة وعاطفية ومؤدبة وملمة بأمور التدبير المنزلي. إذا فشلت الأم في تخريج أطفال يؤدون تلك المهام بشكل سويّ، تُلام على خروج أي من أطفالها عن حدود تلك الثنائية. والأم في طبيعة الأمر، وبالرغم من انزعاجها أحيانًا من تلك الأدوار، ستحاول تأدية دورها على أكمل وجه كي تتجنب اللوم والعنف القائم عليه.

“الشخص لا تولد، بل تصبح، امرأة،” لأن كل ما نربطه بالنساء هي أمور نتعلمها كنساء، ما عدا الكُس والمبيضين والرحم. فنحن كنساء لا نحاسب على أساس تلك الأمور بقدر ما نحاسب على تأدية دورنا الاجتماعي. نحاسب إذا لم نرد أن نكون أمهات، ونعامل بشفقة إذا كنا عقيمات بيولوجيًا. نحاسب إذا لم نرد الزواج واخترنا حياة بعيدةً عن ذلك العقد وتلك العلاقة، ونعامل بشفقة إذا لم يأتي نصيبنا بالرغم من أننا أدينا كل ما علينا. نحاسب على إلمامنا بالمهام المنزلية كالطبخ والتنظيف والترتيب بالرغم من أنها ليست بأمور نعي تدبيرها بالفطرة بمجرد كوننا وُلدنا إناثًا. نحاسب إذا أخليّنا بالأخلاق المفروضة علينا كوننا نساء، كالحشمة وعدم ممارسة الجنس خارج إطار الزواج وطاعة رجال العائلة وتأدية الحنية والعطف… إلخ. كلما أخطأنا أكثر، كلما أصبحنا نساءً أقل. “ولا كأنه بنت”، “حسن صبي”، “قليلة مروة”، “ما بتعرف تهتم بحالها متل البنات”، “معقدة لهيك ما بدها تتزوج/تخلف”، كلها أمور نسمعها، مبنية على تأديتنا لما يعنيه أن نكون نساءً، بعدما تعلمنا، من المفترض، أن نصبح نساءً.

هل كنت ستكوني بالأنوثة التي أنت عليها اليوم إذا ما تعلمتها من أماكن مختلفة (العائلة، المدرسة، الإعلام، الثقافة السائدة) يا ترى؟ هل كانت ستكون أحلامك وطموحاتك هي نفسها إذا لم تُنحت بشكل متقن على يد المجتمع؟ ربما، وربما كانت ستختلف جذريًا. أفكر بذلك كثيرًا، فأنا امرأة اشمأزّت من الأنوثة لفترة طويلة جدًّا، لأني ربطتها بمنظومة تحاول ترويضي. تصالحت بعدها مع الأنوثة عندما رأيتها كأمر منفصل وخارج وغير مسؤول عن اضطهادي كامرأة. لكني لليوم أفكر ما إذا كنت سأكون نفس الشخص، بنفس التأدية الاجتماعية لما يعنيه أن أكون امرأة، إذا لم تبهدلني أمي مئات المرّات في مراهقتي على مشيتي الصبيانية أو على عدم ارتدائي صدريات، وإذا لم يطلب منّي حبيب المراهقة أن “أتدلّع” أكثر، وإذا لم يخبرني شريكي السابق أن شعري القصير يجعلني أقل جمالاً من صديقته بشعرها الطويل الناعم، وإذا لم تكن تلك الأمور والتعليقات والتأديبات أقل شيوعًا. فتلك عبارات اعتادت غالبيتنا على سماعها، وقد تظهر الإهانة الواضحة بها حين أكتبها بهذه المباشرة هنا، لكن عندما تأتي على شكل طرافة أو اهتمام، فهي تظهر عادية جدًّا. غير أنها تُسهم في المراكمة اليومية للتربية والمحاسبة المجتمعية لما علينا أن نكونه لكي نصبح نساءً جيدات وجميلات وحقيقيات.

ما الذي يعنيه أن نكون نساءً؟ تقول بعض النسويات أنّ الاضطهاد الذي نتشاركه يدخل في تعريفنا لما يعنيه أن نكون نساءً. فالنساء أشبه بمجموعة مشتتة من البشر، معرّضات لاضطهاد تاريخي، ولكنهن متفرقات على عوائلهن ورجالهن. تفرقنا أيضًا أمورٌ تفصل بيننا وتعطي بعضنا امتيازات على نساء ورجال آخرين، مما يجعله من الصعب أحيانًا أن ننظر لأنفسنا على أنّنا مجموعة واحدة. كنت تمنيت لو أن الأمور بتلك البساطة، ولو أننا التقينا خارج عائلاتنا في مكان ما، سنندمج وننظم ونحقق العدالة التي نريدها. لكن الأمور أكثر تعقيدًا. أُنبّه هنا إلى أن النسوية التقاطعية لا تعني أننا سنتغاضى عن اختلافاتنا ونلتقي في الوسط، بل أننا سنأخذ اختلافاتنا في عين الاعتبار عند التنظيم سويًّا، لكي نتجنب الأذى والعنف والتسكيت والتغطية على درجات أخرى من التقسيم والاضهاد، كالطبقة والعرق والجنسانية. فأنا لا يعنيني أن أتشارك مع امرأة نفس الأعضاء التناسلية والجندر، إذا كانت ثرية جدًّا، وتساهم في استغلال وتفقير نساء أخريات عبر عملها. ولا يهمني أن أتضامن مع اسرائيلية صهيونية، هويتها بحد ذاتها محوٌ لوجودي وتاريخي، لمجرد أنها تعيش في مجتمع أبوي.

لذا، ما هو الاضطهاد الذي نتشاركه فعلاً والذي يجمعنا ويدخل في تعريف هويتنا؟ تناقش البعض أنها الميزة الإنجابية. فالحيض والحمل والولادة شكلوا تاريخيًا عراقيلًا أمام مشاركة النساء في الحيز العام وأخذ أدوار كبيرة. أمّا قدر النساء البيولوجي بالإنجاب فيجعلهن أكثر حاجة للتواجد في المساحات الخاصة، كونهن أكثر عرضة للخطر والتهميش والأذى إذا كنّ يحضن أو حوامل. وبالرغم من أهمية أخذ القدر البيولوجي بعين الاعتبار لفهم الظلم الذي نتعرض له كنساء، علينا ألّا ننسى أنّ النساء اللواتي لا يتشاركن معنا تلك الوظائف البيولوجية لا يُحمين من الاضطهاد الأبوي. فالنساء ذوات الخصوبة القليلة أو المنعدمة يتعرّضن لإقصاء مجتمعي عنيف، ويشعرن دائمًا أن أنوثتهن ناقصة (بسبب استبطان الأفكار عمّا يعنيه أن نكون نساءً). كذلك النساء اللواتي انقطع طمثهن ودخلن ما يسميه المجتمع “سن اليأس”، والتسمية بحد ذاتها دليل على تهميش المجتمع للنساء اللواتي لم يعد باستطاعتهن الحمل والإنجاب، وكأن هذا هو فقط ما يحدد قيمتنا. أسأل أمي عن العوارض التي رافقتها بعد انقطاع طمثها، فتخبرني بالحرارة فوق منطقة الصدر وتوقف الإفرازات وبعض التعب والإرهاق. وفي الوقت نفسه، تخبرني أنّها ارتاحت من الدورة الشهرية وشراء مستلزمات الحيض والفوط الصحيّة، وأنّ رغباتها وحبّها للحياة وإعجابها بالوسيمين ونشاطها لم ينقطع كما توقعت، ولم يأتِ اليأس الذي تتنبأ به المرحلة. أخبرها أنّه لهذا السبب بدأت بعض النسويات باعتماد تسمية “سن الأمان”، لأنها أكثر وصفًا لاطمئنان النساء من ناحية الحيض والحمل وبعض السرطانات، عكس الوصف الذكوري الذي يقيّد النساء ويربط قيمتهن وسعادتهن بقدرتهن على الإنجاب. مع ذلك، تخبرني بأنها تُحرج من إخبار صديقاتها أنّ طمثها انقطع، لأنها ستُحسس بالشفقة، وكأنها امرأة أقل.

لذا، بالرغم من موافقتنا أن تلك الأقدار الإنجابية تلعب دورًا أساسيًا في اضطهادنا، وأنّه تاريخيًا، ارتبطت مفاهيم عديدة كالشرف والعذرية والعلاقات الأحادية والزواج والغيرة والسترة، ارتباطًا وثيقًا بالحاجة للتحكّم بالذريّة عبر تقييد النساء – كون أمومة الأم ليست بحاجة لشهادة، أمّا أبوة الأب بحاجة لفحص الحمض النووي – إلّا أنّه علينا أن نفهم أن ربط قيمة النساء ومعنى الأنوثة بذلك القدر لا يقاوم الخطاب الأبوي، بل يؤكد عليّه، ويربطنا مرة أخرى بأمور لسنا مضطرات إلى حبّها وتقديرها وتقديسها. فهل أكون امرأة سيئة إذا كرهت أني أحيض شهريًا؟ هل أخون جنسي إذا رفضت أن أكون أمًّا في حين أنّ غيري من النساء يلجأن إلى تدخلات طبيّة من أجل الإنجاب؟ هل عليّ أن أحتفل بمهبلي وفرجي لكي أقاوم الخطاب نفسه الذي يراني مهبلاً وفرجًا؟

الأكيد هو أنّنا نقاوم بطرق مختلفة، لكن فرض نموذج واحد من المقاومة يحتفل بالأنوثة نفسها التي يفرضها علينا النظام الأبوي واعتبارها الطريقة الأنسب للرد على هذا النظام يعود إلى تهميش النساء اللواتي همّشتهن الأبوية من الأساس. النساء اللواتي يعشن خارج قوالب الأنوثة. النساء اللواتي لا يستطعن الحمل. النساء اللواتي يقمن بالإجهاض (أي ثلث النساء). النساء اللواتي استأصلن أثداءهن لمختلف الأسباب. النساء اللواتي استأصلن أرحامهن لمختلف الأسباب. النساء اللواتي لم يولدن بأرحام أساسًا.

هل علينا أن نتشارك التجربة نفسها لنكون نساءً؟ غالبًا ما ننسى النساء العابرات (الترانس) من المحادثة. العبور كلمة جميلة جدًّا، استبدلت كلمة “المتحولة” التي كانت تستخدم لوصف النساء اللواتي يولدن بما يصنفه الطبّ كجسد ذكر، ويعاملن اجتماعيًا كرجال طوال حيواتهن، أحيانًا حتّى بعد إفصاحهن عن هوياتهن. في ندوة خاصّة حضرتها من فترة، سُئلِت امرأة عابرة عن أنواع الاضطهاد التي تتعرض لها. كانت أول مرّة أسمع بها تصريحا واثقا بأن أول عنف تعرضت له هو تعريف الطبيب، الذي ولّد أمّها، لها بالذكر بناء على وجود القضيب. فالمؤسسة الطبية، كما ذكرنا سابقًا، تحدد جنس الأطفال، ويؤخذ بذلك التعريف بشكل ديني حتّى، لا يمكن مناقشته، بالرغم من أنّه سيحدد لنا كيف سنعيش كل حياتنا، وسيفرّق بيننا وبين الجنس الآخر بشكل جذري. هذا هو التحديد الذي سيجعلنا نفخر بأننا نملك فرجًا، بالرغم من أنّه حدد لنا أن الأنوثة والفرج مرتبطين، بناءً على لا شيء. عليه، تواجه النساء العابرات منظومة تقمع مشاعرهن بأنهن نساء، لأنهن لم يُولدن بالأعضاء المناسبة. فيطرح السؤال مجددًا، ما الذي يجعلنا نساءً؟ هل التي تضطر إلى التخلي عن الأعضاء التي وُلدت بها لأسباب صحية لا تعود امرأة؟ أو التي لا تعمل أعضاؤها بالشكل المفروض، أقل من المرأة الحقيقية؟ ماذا عن التي وُلدت ببظر، ثم خُتنت، وحُرمت من أحد أكثر أنواع النشوة الجنسية انتشارًا عند النساء، هل نعتبرها ناقصة؟ لماذا نعود ونربط أقدارنا وتعريفنا للمرأة بما تحدده المنظومة الطبية والمجتمع الأبوي؟

تعريف الجندر بحد ذاته معقد أحيانًا، ويختلف من مكان لآخر، ولكنه مرتبط بالجنس الذي ولدت به، وعلاقته بتعريفك عن نفسك اليوم. فإذا ولدت بمهبل وتُعرّفي عن نفسك كامرأة، فأنت امرأة غير عابرة (cis woman). أمّا إذا وُلدتِ بقضيب وتعرّفي عن نفسك كامرأة، فأنت امرأة عابرة (trans woman) كونك عبرتِ الجنس المحدد لك عند الولادة إلى النوع الإجتماعي الذي تعيشين به. والنساء العابرات، بالرغم من أنهن يتعرضن لعنف اجتماعي مخيف وعنيف، وغالبًا ما يكنّ في أعلى قائمة المعرضات للقتل حول العالم، الكثير من النسويات لا تعتبر وجودهن مرّحبًا به ضمن الدوائر النسوية، بل تُسمّيهن البعض بالرجال المتلصصين، وكأنّ واحدة ما ستضع نفسها في كمّ الخطر والتهميش هذا لمجرد التلصص.

لذا، اعتبار أنه علينا جميعا المرور بنفس التجربة هو اعتبار يُلقى عادة في وجه العابرات لسحب شرعيّتهن كنساء منهن، ولكنه لا يظهر في وجه نساء من طبقات عليا أو نساء يشاركن في سيرورة الاضطهاد بحكم مواقعهن الاجتماعية كسياسيات وحاكمات. التناقض في فرض التجربة والأعضاء التناسلية والقدر الإنجابي كمعيار لما تعنيه المرأة الحقيقية صارخ، علينا التأمل فعلا في مصدره وتبعاته على أخواتنا العابرات وعلى حركتنا النسوية وتعريفنا للتضامن والتكاتف والثورة المفاهيمية الفكرية التي نطمح بها.

دون هذا التأمل، سنجد أنفسنا أحيانًا واقفات على بوابة “النساء”، نحدد من يمكنها الدخول ومن عليّها الانتظار خارجًا، ونعيد إنتاج العنف الذي يشنّه علينا النظام الأبوي، لنحدد مجددًا من هي المرأة الحقيقية، المرأة المثالية… المرأة البيولوجية حقًّا، متناسيات أنّنا يوميًّا ننتج النساء في مصنع العائلة، عندما نحدد لبسهن ومشيتهن وطول شعرهن وكيفية جلوسهن ونبرة أصواتهن. يوميًا، نحن النساء الراشدات، نصبح نساءً، عندما نعتمد الأنوثة معيارًا لأذواقنا وكلامنا وعلاقاتنا، ويوميًا نُخلّ بما تُمليه كلمة “امرأة” عندما نعيش حياتنا خارج ذلك القالب. كلٌّ من الأنوثة والذكورة أسلوبا حياة وذوق وتفضيل وتصرّف وتمثيل، لا يجب أن يعطى أيًّ منهما قيمة أكثر من الآخر، خاصّةً بناء على الجنس الذي تحدد لنا عند الولادة. والأولى بنا عندما نتكلم عمّا يعنيه أن نكون نساءً هو أن نحتفل باختلافاتنا، لا بقهرنا وأقدارنا والتعريفات التي لم نخترها أساسًا، وأن نضمّ بعضنا بعضًا بناءً على ما يمكن أن نصنعه سويًا، مع النساء اللواتي يشبهننا بالطموح والأهداف بالحريّة والعدالة، بدلاً من النساء اللواتي يشبهننا بالأعضاء واللون والوظيفة الإنجابية، لأنّني أشبه في نسويتي صديقتي العابرة التي تُوقّف على الحواجز يوميًا أكثر مما أشبه وزيرة حرب تشارك في قتل نساء العالم الثالث، ولأنّ تعريف المرأة إمّا مفروض من النظام لقمعنا، أو عبثيٌ بحيث لا يمكننا الالتفاف حوله جميعًا.

شرح مصطلحات:

الإنترسكس (intersex): ثنائي الجنس. التعريف الرائد والمستخدم عادة هو أنهم الأشخاص الذين ولدوا بكلا العضوين التناسليين، لكن التصنيف الطبي أوسع من ذلك كما ذكرنا في النص، فيشمل أحجام الأعضاء التناسلية والأعضاء الإنجابية الداخلية والحمض النووي.

البظر: عضو جنسي عند الإناث المحدَّدات عند الولادة، يقع فوق فوهة الإحليل، تتركز فيه الخلايا العصبية، وتحفيزه بالطريقة المناسبة يؤدي إلى الإثارة الجنسية والنشوة. كما أنه العضو الذي يُستأصل في كافة أنواع الختان.

ألسنا فلسطينيات كفاية؟

قُتِلت اسراء غريب على يد عائلتها، أو كما تدّعي عائلتها، توفت في “ظروف غامضة”، رجحّوها لأسباب نفسية وعقلية، بالرغم من إلمام صديقاتها وبعض أفراد عائلتها بظروف موتها. قُتِلت اسراء في مجتمع خاضع للإحتلال ولسلطة مستقلة في الآن نفسه، مجتمع باتت جرائم قتل النساء فيه حدث يومي، وفي الوقت نفسه لا تزال قضاياهن بعيدة عن سلّم الأولويات: الوطن أولاً، الأرض أولاً، التحرير أولاً.. وكأنهم يخبرونا بشكل واضح وصريح أنّ الوطن والأرض لرجاله، والتحرير لا يطالنا نحن النساء.

النساء اللواتي يُقتلن على أيادي أفراد عوائلهن وشركائهن لسن جزءاً من معادلة الشهداء، ولا يحسبن ضحايا أنظمة وبنى اجتماعية إذا ما كان المعتدي هو المحتل، فلا زالت جرائم القتل هذه تحصر في النطاق الخاص الذي يضيق بنا يومياً. المشاكل العائلية التي تسلب نسائنا في الضفّة والداخل وغزّة ومخيّمات الشتات لا تأخذ نصيباً من الإهتمام، بل يتم التغطية عليها وحمايتها من قبل الشرطة والفصائل والعائلات، ولا ندرج ضمن إحصائيات الخسارات البشرية التي تطال الفلسطينيين/ات أينما وجدوا. ألّا نضحي بحياتنا بمجرّد وجودنا في سبيل أخلاقيات وتقاليد الوطن؟ متّى تستحق قضايانا حيّزاً ضمن مطالب التحرير المحقّة؟ بعد كم شهيدة قُتِلت من أجل الشرف؟ بعد كم أسيرة سجنت في منزل أهلها وحرمت حقّ التنقل والعيش الكريم؟ متى تصبح أسوار منازلنا عالية كفاية، علو جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، لتروا شرعية صراخنا ضد القهر والقمع الموّجه ضدّنا؟ هل نجعل من جثثنا جدارية بألوان العلم كي نصبح فلسطينيات بالشكل الكافي؟

اسراء ليست أول أو آخر امرأة تقتل في فلسطين أو حول العالم لدواعي الشرف، والشرف هنا قد حددته عائلتها على أنّه أمر خسرته متى صورت نفسها مع خطيبها على تطبيق تواصل اجتماعي. واسراء، مثل الكثيرات ممن قتلن قبلها بسبب النظام الأبوي، لبست التهم والمبررات قبل أن يرتاح جسدها تحت التراب، فبدأت إدعاءات مرضها النفسي بالشيوع من قبل عائلتها نفسها. العائلة التي عادةَّ ما تتستر على أمور الصحة النفسية وتخجل بها، تصبح فجأة خبيرة في أمورها عندما يمكن استخدامها لتبرير ما لا يمكن تبريره. النساء لهن نصيبهن التاريخي من اتهامات الجنون والهيستيريا، غير ركوب الجنّ والتشعوذ (حجّة أخرى استخدمتها عائلة اسراء)، وهذا التاريخ شهد على تواطؤ الطب النفسي والأنظمة العنصرية والمتحيّزة ضد النساء للتهميش ضد الأقليات وتحجميهن وتبرير العنف الممنهج ضدهن. فقبل اسراء، “توفت” العديد من النساء في ظروف غامضة أخرى، ظهر بعدها أنّهن كنّ مجنونات، أو ركبهن الجنّ وتم الاضطرار للتعامل معهن بعنف لتطهيرهن، غير قصص النساء السوداوات بشكل خاص اللواتي ينتحرن في ظروف غامضة ويلبسن تهمة الجنون، لكي يبريء المحيطين بهن أنفسهم من ظروف حياتية وظروف عمل مهينة وقاهرة. نحمل تهم الجنون عبر القرون، ونحن نعي أنّه بمجرد إدراج مصطلح “مرض عقلي” إلى جانب أسمائنا، تسحب منّا أصواتنا وشرعيتنا وحقّنا في الحياة والتمرّد، ويعطى جلّادينا كل التبريرات لتخليص المجتمع منا.

أفكر بما جرى مع اسراء، وأفكر بالقصّة وقربها من قصص كثيرة تحصل في عائلتي أنا إبنة الشتات، قصص تدرج تحت خانة النميمة ونقل الكلام، وهي أعمق بكثير في الأذى والمعنى. حسب ما تداولته إحدى صديقاتها، اسراء تعرّضت للعنف بعدما أخبرت إحدى قريباتها أهلها عن صورتها مع خطيبها على “إنستاغرام”، وهو أمر يكاد يكون سخيفاً لدرجة تلعي النفس، أن تموت إحدانا بسبب عدم تستر إبنة عم عن صورة عفوية. لكن نظام الرقابة والوصاية الذي تفرضه الأبوية متشبع في لاوعي النساء، يجعلنا نراقب بعضنا البعض، نستخدم بعض الثقة التي تأتي مع كوننا بنات بين بعضنا البعض لكي نتفاوض على قيمتنا ووصولنا وموقعنا ضمن النظام الأبوي. من تحافظ على صورتها الاجتماعية أكثر؟ من تظهر من جسمها في الصور أقل؟ من لا تدخل في العلاقات مثل غيرها من الفتيات؟ من يمكنها أن تأتي بالأخبار الفاضحة أسرع؟ أمور تتسارع عليها الفتيات منذ الصغر، ليس لأنّ النميمة وعدم التستر أمراً ورثناه في حمضنا النووي، بل لأنّه أمر نتعلمه كما نتعلم أدوارنا الجندرية، من أمّهاتنا وقريباتنا، لكي نحيا وننجو. نتعلّمه ككقيمة خاضعة للأبوية ومقاومة لها في الآن نفسه. نريد أن نحمي أنفسنا من العنف الموجه ضدّنا، فنمرره لغيرنا من النساء. يأخذنا الكثير من الوقت ونسيان ما تعلمناه لنعي أنّ الحماية الحقيقية لنا هي في اللم على أنفسنا ومساندة بعضنا البعض، وفي التصدّي لمحاولات تفرقتنا على أساس هرمية الشرف والعفّة.

علينا نسيان الكثير من القيم والممارسات الذكورية، وخلق البدائل لها من ممارسات تضامن ومساندة وحماية. علينا التحدّث سويّاً أكثر، نحن البنات والنساء، وحضن صغيراتنا ومساندة كبيراتنا. علينا أن ننم أقل عن من نشرت صورها على إنستاغرام، والنمّ أكثر عن من تحرّش بنا وضايقنا. علينا التشبت بحقوقنا ومطالبتنا بالعدالة من أجل كل النساء والأقليات الجنسية والجندرية، لأننا الوحيدات اللواتي يمكنهن القيام بذلك. إذا ما فرضنا أولوياتنا، ستموت المزيد من النساء، وسيخمد صراخنا المزيد من الصراخ الرادح الذي يكرر “لستن أولوية! حقوقكن ترف! الإحتلال هو القضية الوحيدة! نسويات وناشطات ما تحت الخصر!”. علينا أن نكون نسويات ما تحت الخصر دون خجل، لأن ما تحت الخصر حقيقي، شرعي، ومستفز، نٌقتل ونٌحبس ونٌقمع من أجله. لا حركة دوننا نحن، لا تحرر دوننا نحن، ولا نشيد جماهيري سيغطي على أصواتنا نحن.

النسوية والجنس ما بعد رهف

(في الصورة لوحة “المهاجر” لوليد عبيد)

رهف القنون تطل عليّنا بعد غياب، وتخبرنا بأنها، بما معناه، هربت من أجل حياة جنسيّة متحرّرة، بالرغم من أن الكنديين لا يعبئون بالجنس لتلك الدرجة، وأنّ حياتها كانت محققّة من تلك الناحية في السعودية عأي حال. لكن الخوف من العنف الذي يمكن أن تتعرض له في أي لحظة، غير الذي تعرضت له من قبل، على يد أهلها، بسبب تلك الممارسات بالتحديد، هو ما دفعها للهرب. تخبرنا كل ذلك لتؤكد أنّ الصور “الفاضحة” التي نُشِرت لها دون إذنها، والتي كانت ذات طابع جنسي، محاولةً من مسرّبيها أن يطعنوا في قصّتها وشرعية هربها ليجعلوا منها مجرّد “عاهرة” فقط، لا تؤثر عليها. بل هي سعيدة بنشرها. رهف تدعس على تلك المحاولات بلحظة فقط بمجرّد تصريحها ذلك، وتضمئل قوّة تلك الاعتداءات مباشرة. لماذا تضمئل؟ لأن رهف في كندا، وبالرغم من علاقة كندا الديبلوماسية مع المملكة السعودية وبيعها لها السلاح لتقتل في اليمن، وتغاضي ترودو عن كل الأصابع النسوية الموجهة له والتي تسائله عن رأيه بالمعتقلات من أجل حقوق المرأة، لا تزال كندا دولة ذات إهتمام بصورتها في المجتمع الدولي، لا سيما بعد ضغط الأمم المتحدة لإيجاد مأوي لرهف هناك. فرهف محصنّة من الأذى الذي يمكن أن تسببه صور “فاضحة” لها، وعائلتها في قارّة أخرى، غير قادرين على قتلها ومسح عارهم، وهذا الفرق بيننا، نحن العالقات هنا، ورهف. الفرق أننا لسن محصنات، وأنّ انتشار أي صور لنا يمكن بالفعل أن ينهي حيواتنا على أصعدة مختلفة، وأنّ العنف الذي يهددنا ويؤرق أي مساعي حياة جنسية لنا حقيقي، وكائن في باطن الرأس في الوقت نفسه. لذا، ليس من المسموح حتّى لنا أن نتدعي عدم الاكتراث لأي فضائح تخصنا، حتّى لو لم نكترث فعلاً. لا نملك إمتياز القدرة على ذلك. فنحن هنا، ورهف هناك، وبالرغم من أنّنا نعي إلى حدٍّ ما أنّ ما تملكه رهف هو أدنى مقومات ممارسة حياة طبيعية، لا زلنا نسعى لأن نجرّ رهف، أو ما تمثله هنا، إلينا في القاع، بدلاً من السعى لأن يختفي القاع بأكمله.

أتحدّث عن ردّ الفعل المتوقع، والمؤسف في الوقت نفسه، على ذلك الفيديو، الذي عاد ليحمّل رهف مسؤولية كل الفتيات العالقات عند أهاليهن، عبر تسخيف الحقّ في التمتع بحياة جنسيّة، واعتباره أقل شرعية من حقوق أخرى، والعنف المبني عليه أقل وطأة من التعنيف بسبب أمور أخرى. نعيد انتاح الاحترامية في دوائرنا النسوية، فنبني هرمية لمن تستحق التعاطف، ومن يمكن السكوت عن حالتها لبضع الوقت. أهلك ضربوك لأنهم وجدوا صورك عاريّة؟ معلش، أهل فلانة ضربوها دون سبب، فلنركز على تلك. ألّا نرى توجيه اللوم إلى الضحايا في هذه الحالة؟ وكيف نختلف، هنا، عن تبرير التحرّش باللبس القصير مقابل الاعتراض عليه إذا لبست الفتاة الحجاب، هناك؟ لربما تبدو كمقارنة بعيدة، لكن المهم التأمل فيما ندّعيه أحياناً، ونفكّر بمن يستفيد من ادعائاتنا تلك. فطالما بدأنا بتقسيم المعنفات  حسب أسباب التعنيف، فنحن بدأنا بإيجاد تبريرات، وتفضيل إنقاذ بعض النساء على غيرهنّ. وطالما اعتبرنا أن الحق في ممارسة الجنس يمكن تقويده ووضعه جانباً، وجعله ثانوياً في الصراع النسوي، فنحن فتحنا المجال أمام وحش لا يخمد، هوايته تصنيف الأولويات. وكيف يمكننا الإيمان بالأولويات إذا كانت الأولوية بالنسبة لي هي أن أتعلّم في الجامعة، بينما الأولوية بالنسبة لك أن تحبّي شريكتك دون خوف، والأولوية بالنسبة لصديقتك أن تحصل على خدمة الإجهاض حالاً؟ من يحدد أولوياتنا عنّا، ومن منّا مستعدة للتنحي جانباً والتخلّي عن مطالبها وحقوقها من أجل الأخريات، وهي ليست حتّى إمتيازات بعد؟

الدخول في معمعة الأولويات طويل ومرهق وصعب، ويذكرنا بأن صراعنا النسوي كلّه لا يعتبر أولوية أساساً بالنسبة لأصحاب قضايا أخرى. فنحن نركل إلى الزاوية دائما، حتّى ننهض ونشدّ بأسناننا على كلّ التحركات، ونضالنا دائماً يتطلب أن نثبت أنفسنا، مرّة تلو الأخرى، لنثبت بأنّنا نستحق مكاناً في التحركات الاجتماعية. علينا الإثبات دائماً بأنّ التفكير بوجودنا والعمل على تغيير مواقعنا الاجتماعية ليس بأمر ثانوي غير مهم. أخاف من حديث الأولويات، لأننا كنسويات دائماً على هامش اللائحة. وأخاف أن نعيد انتاج تلك اللائحة ضمن حركاتنا، فنهمّش بعضنا أكثر. الأكيد أنّه لدينا قضايا متعددة، وتضامننا عبر تلك القضايا أساسي. التركيز على أحدها لا يعني إهمال غيرها أو الاستخفاف بما تعنيه النسوية من أجل نساء أخريات. الكتابات النسوية التي نشأت عليها علمتني آلاف التعريفات المختلفة النابعة من تجاربنا المعاشة، فهي الحب الثوري للبعض، التحرر من الأبوية، العائلات البديلة، مناهضة الهرمية، التصالح مع الذات، التصالح مع نساء العائلة، التصالح مع الطبيعية، هدم الفوقية حسب القوة، العربدة والفجور، التحرر من معايير الجمال، التحرر من استعباد رأس المال لاستقلالية النساء، القدرة على قول نعم ولا، متى شئنا… هي تعريفات كثيرة، تعتمد على تجاربنا المختلفة تحت الأبوية، وتحتم بطبيعة الحال التنوع الموجود فيما نعاني منه تحت النظام. ولكنا نلتقي عند عناوين عريضة، وبالرغم من أنّه من الصعب إقناع العديد من النسويات في منطقتنا أن التحرّر الجنسي، في الحقيقة، يجب وضعه في عرض المطالب النسوية، علينا المحاولة، دائماً.

التحرّر الجنسي يعني الكثير من الأمور، وبالرغم من أننا سنجد، دائما، متربّص ينتظر في زاوية الغرفة ليخبرنا أنّه مع الحريّة، لكننا فهمنا الحريّة خطأ، علينا ألّا نجرّ خلف ذلك. أتحدّث عن الحريّة التي – وسأحرّف كلام غسّان كنفاني – لا مقابل لها. أي لا يحدّها شيء، ولا تتطلب منّا جهد التبرير أو حتّى تفسير وقوف الحريّة عند الآخرين، لأن حريّتي تعنيني أنا، وحريّتك تعنيكِ أنتِ. ليست مشروطة، ولا نخسرها بمجرّد تغيّر الحاكم من ليبرالي إلى محافظ، أو تبدّل صوري من مسترّة إلى عاريّة. حريّة لا تشترط منّي أخلاقيات النظام الذي يهددني دائما بسحب المزيد من حقوقي إذا على صوتي، ولا تقرر إعطائي ياها حسب إجتيازي إمتحان يحدد مدى إستحقاقي لها. والحريّة تتضمن، بطبيعة الحال، التحرّر من أمور عدّة فرضتها علينا الأبوية؛ أمور أخلاقية، مفاهيم مركبّة، ومقدّسات مختلقة.

الجنس سيء ونجس ومدنس وعنيف. هي صفات نتشربها أو نتعلمها عن تجربة. الصدمات التي نعيشها في ظل النظام مهوّلة، والخوف الكائن في باطن الرأس من العنف والقتل، يمكنه فعلاً أن يعرقل علاقاتنا بالجنس باضطرابات قلق وخوف، وتشنجات مهبلية، وإنعزال اجتماعي. الجنس سيء ونجس ومدنس وعنيف إذا ما بادرنا به نحن، إذا ما أردناه، وإذا ما مارسناه مقابل المال، لكنه جيّد وممتع وجميل وحميمي إذا تمّ ممارسته داخل قيود مؤسسة العائلة النواة، وتماشى مع أخلاقيات المجتمع والدين. إعطائنا الموافقة والتراضي على الجنس الممارس لا يهم فعلاً إذا ما تم ممارسته خارج إطار المقبول إجتماعياً، وذلك يختلف بعض الشيء بين المجتمعات المختلفة لكنه يلتقي على حدود عريضة، منها الحب والعلاقات الثنائية ومؤسسة الزواج ومعيارية المغايرة*.

طرحت العالمة الأنثروبولجية غايل روبين نظرية الهرمية الجنسية*، وسأستخدمها هنا لإيضاح التناقضات فيما نستخدمه كمعيار لما هو مقبول في الجنس والعلاقات، وكيف يتغير من حالة لأخرى. بالنسبة لروبين، هناك تراتبية هرمية لما هو مقبول من العلاقات الجنسية، تحددها عوامل مختلفة، وتتغير عبر الزمن. يميز تلك التراتبية قدرتها على التكيّف مع المتغيرات الإجتماعية وبلع ما هو غير مقبول لإعادة تعليبه كأمر مقبول عبر تغيير بعض مميزاته. فتضع روبين العلاقات الثنائية (أي بين شخصين)، الغيرية (أي بين شخصين من جنسين/جندرين مختلفين، شرط ألا يكونا عابري الجنس) داخل منظومة الزواج في أعلى هرم الإحترام والقبول الاجتماعي، ومن بعدها نبدأ النزول إلى ما هو أقل تقبّلاً في المجتمع وأكثر بذاءة، كالطلاق، الممارسة الجنسية خارج إطار الزواج، العلاقات المثلية، الممارسة الجنسية مقابل المال، تعدد الشركاء أو العلاقات المفتوحة، الممارسات الجنسية غير النمطية (كالسيطرة والعنف مثلا)…إلخ.

كيف يبتلع النظام بعض الأمور التي اعتبرها بذيئة وغير محترمة من قبل ويعيد انتاجها باحترامية؟ لنأخذ العلاقات المثلية مثالا، مع تغيّر القوانين والرأي العام عن المثلية الجنسية إلى حد ما في بعض أنحاء العالم، لم تعد المثلية مقرونة بأمثلة عن تعدد العلاقات والنشاط الجنسي الفاحش والإيدز والموت مبكراً، إذ تم إعادة تعليبها بإحترافية من قبل حركات حقوق المثليين، واليوم من قبل الحكومات، لتصبح كلّها عن الحب. فالمثلية اليوم مرادفها الحب، وقد طهّرناها من الجنس، وما كان بإمكانه أن يكون حركة حول التحرر الجنسي وحريّة الخيار فعلاً، أي اختيار العيش بفحش خارج قيود ثنائية العلاقات ومؤسسة الزواج والعائلة النواة الظالمة للنساء والأطفال، أصبح حركة عن الحب والعائلة والزواج، وأول المطالبات تكون عبر حق المساواة بالزواج والإنضمام إلى المجتمع عبر باب يتقبله المجتمع، باب محترم، ثنائي، ويشبه بشكل كبير العلاقات الغيرية، ويساهم في تركيبته باستمرار النظام الاقتصادي. لذا، يمكن إعادة تطهير أمور كانت غير محترمة عبر اللعب على دور الجنس فيها. كما يمكن الإشارة إلى دور الثقافات المختلفة في تغيير تركيبة هرمية الاحترام الجنسية، فالجنس مقابل المال في أدنى المستويات من الاحترامية طالما كان خارج مؤسسة الزواج، بينما يمكننا النقاش بأن الجنس ضمن زواج مبني على المهر على سبيل المثال، وهو أمر مفروض شرعاً أو عبر القانون في أغلب البلدان التي تتبع الإسلام في تشريعاتها، فيه تبادل للجنس والعمل العاطفي مقابل المال، لكن مؤسسة الزواج تعطي ذلك الجنس، أو الاغتصاب في الكثير من الأحيان، الشرعية الكافية لجعل العلاقة محترمة.

نتخذّ تلك المعايير في حكمنا على العلاقات والجنس دون وعي أحياناً، فكلام رهف عن الجنس خارج مؤسسة الزواج، وبتلك الصراحة والأريحية، من أجل المتعة، دون الإجبار والتمسكن وإدعاء أنّه تمّ الاحتيال عليها واللعب على مشاعرها من أجله، أي ممارسة الجنس من أجل الجنس، يضعها في أدنى مستويات الهرمية الجنسية أيضاً، ويجعل التعاطف معها صعباً حتى من قبل نسويّات أخريات. لكنه ليس من الغريب أيضاً أنه يصعب علينا في المنطقة رؤية حقّ النساء في الجنس من أجل المتعة كأمر أساسي، فالوجود النسوي الطاغي على تويتر على سبيل المثال هو الوجود النسوي السعودي، والخطاب الطاغي عند النسويات السعوديات، إلى جانب الخطاب الإصلاحي، هو الخطاب الراديكالي المتأثر بالموجة النسوية الثانية في السبعينات. علاقة نسوية الموجة الثانية الراديكالية مع الجنس شائكة. فهي من جهة تزامنت مع الثورة الجنسية وأفكار التحرر الجنسي والحب الحرّ الهيبي، ومن جهة أخرى أتت من موقع غضب وبؤس واشمئزاز من العنف والاستغلال الجنسيين الذي تتعرض له النساء في كل بقاع الأرض، وأستذكر كلام الناشطة النسوية آمبر هوليبو، التي تقول بأننا دائماً نتعرّف على النسوية بسبب علاقتها بالجنس بطريقة أو أخرى*. فبينما فتح المجال أمام التكلّم عن الإجهاض مثلا كحق رعاية صحيّة للنساء، وبالتالي التكلّم عن الجنس كأمر الإنجاب ليس غايته، كان الخطاب المعني بالأفلام الإباحية والعمل الجنسي سلبي جدّاً حيال الجنس نفسه.

الخطاب السلبي-جنسياً ينظر للجنس كأمر مشمئز ودوني، ويتغلل في الكثير من الأحيان في عملنا النسوي وحملاتنا التي تدّعي حماية النساء من الإستغلال الجنسي. فالكلام عن الأفلام الإباحية على سبيل المثال ينظر إلى قطاع إنتاج الأفلام الإباحية على أنّه مستغل للمرأة جوهريّاً، وأن المرأة في كل الحالات ستكون مجبرة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على مزاولة ذلك العمل (تماماً كالنظرة للعمل الجنسي). فتصوير الممارسة الجنسية على الكاميرا يجعل المرأة عرضة للتسويق في أي وقت، كما أنّ الأفلام الإباحية تروّج لممارسات جنسية مرتكزة على لذّة الرجل، وتكون عادّة المنبر الأول للشباب للتعرف عالجنس، مرسخّة لهم أفكار مغالطة عن كيفية ممارسة الجنس الحقيقية.

الجنس المصوّر بالأفلام الإباحية، في تلك الخطابات، عنيف تجاه المرأة، لا سيّما في إمتناعه عن التركيز على لذتها، وفي تصويرها في مشاهد “مهينة”، خاصة إذا تم السيطرة عليها عبر الممارسات المصوّرة. ذلك كلّه إلى جانب عدم تقاضي النساء نفس الأجور كالرجال في تصوير تلك الأفلام. والحقيقة أنّ قطاع صناعة الأفلام الإباحية مسيطر عليه من قبل رجال، كما أغلب الصناعات الأخرى، ومثالاً على ذلك الأفلام التجارية في هوليوود، وتماماً كهوليوود، النساء تتقاضى أجراً أقل من الرجال، وأبوية المجتمع وذكوريته تنعكس في صناعة غالبية منتجيها، مصوريها ومخرجيها رجال. وذلك الإنعكاس يكون عبر مركزة لذّة الرجل، والمبالغة في أمور معيّنة تعكس ثقافة أبوية بحتة. مثلا، الإنتصاب الذي يستمر ساعات، والذي يذكرنا بأن الثقافة الأبوية ترى الجنس الحقيقي في الإيلاج، والرجولة في القدرة على القيام بذلك بأي وقت – وإذا فشلت، خذ فياغرا. كما يتم المبالغة بلذّة النساء من الإيلاج المهبلي، مع أنّنا نعلم أنّه فقط حوالي 30 بالمئة من حالات الوصول إلى رعشة الجماع يسببها الإيلاج دون أي تدخل آخر. مع ذلك، الحل ليس بهدم قطاع الأفلام الإباحية (مع تحفظّي على تركيبته الرأسمالية)، ولا بهدم هوليوود. فالمزيد من النساء بدأن في إنتاج أفلام إباحية تبتعد عن نظرة التحديق الذكورية*، وتمركز لذّة النساء، وتراعي شروط عمل تضمن صحة النساء النفسية ودفع أجور عادلة لهن وتأمين ضمانات صحية واجتماعية. كما أنّ تلك القطاعات التي تسمّي نفسها بالنسوية تعمل على إدراج بعض الرسائل في أفلامها حول الإنتصاب، الممارسات المتنوعة، الأجساد المختلفة، التعبيرات الجندرية الواسعة، والممارسة الجنسية الأكثر أمناً.

أمّا مشكلة كون الأفلام الإباحية المنبر الأول الذي يتعرّف به الشباب على الجنس فهي ليست مشكلة القطاع، بل مشكلة حكوماتنا التي حتّى إذا تكرّمت وأعطتنا صفوف ثقافة جنسية في المدارس، ركزت صفوفها على الامتناع والترهيب من الجنس. لكن الإدعّاء الأسوأ في كل هذا هو النظرة الدونية للجنس كأمر لا نأبه له كنساء، نعطيه فقط مرغمين، لسنا جزء منه، ولا نتطلع له، وهي فكرة ذكورية أساساً، تسحب من النساء القدرة على اتخاذ القرار، وتعادل شرفهن بعلاقتهن مع الجنس، ولا تنظر لجنسانيتهن إلا كردّة فعل. فالنساء يشكلن نسبة هائلة من مشاهدي الأفلام الإباحية، لدرجة بدأت بعض المواقع بتخصيص خانة للأفلام المفضلة للنساء، وهي لا تختلف كثيراً عمّا يصوّر عادة كجنس “مهين” و”عنيف”، لأنّ الخيّال والتحفيز الجنسي الذهني لا يعكسا بالضرورة ممارساتنا أو تفضيلاتنا الحقيقية. فالنظر لهذا القطاع كقطاع يخدم الرجال يمحي وجود النساء كنسبة كبيرة من المستفيدات منه، لا سيّما ضمن مجتمعات لا تعطنا مجالاً للبحث عن لذّاتنا في الحيّز العام بشكل مريح، فتصبح اللذة السريّة والمحمية في الحيّز الخاص هي المفضلة. ومتّى ما ألغينا الأفلام الإباحية من الوجود، أين نقف عند الأفلام التجارية والأفلام الفنية التي تشمل مشاهد جنسيّة؟ ما الذي يميّز اسقاطاتنا الأخلاقية تلك عن اسقاطات الدولة والكنيسة والجامع؟

العمل الجنسي من جهة أخرى، وهو يشمل العمل في مجال الأفلام الإباحية، أخذ حيّزاً كبيراً من خطاب راديكاليات السبعينات، وألقى الضوء على أشهر النقاشات النسوية العالمية حتّى اليوم: عمل جنسي أم اتجار بالنساء؟ والجواب بالطبع: الاثنين موجودين. لكن ذلك الخطاب أرسى أول أسس اللغط بين الاثنين، وشمل عاملات الجنس تحت خانة الاتجار بالبشر، وهو موضوع أذى الفئتين بشكل عام. فالمرأة من المستحيل أن تعمل ضمن الدعارة إلا مجبرة، حسب أولئك النسويات، وحتّى لو لم يتم الاتجار بها، فهي عالأقل تريد ترك هذا العمل ولا تستطيع بسبب الظروف، وإنقاذها يكون عبر إلغاء منظومة الدعارة.

عدنا هنا إلى الاسقاطات الأخلاقية على الجنس، فلا نرى “العمل” كالمشكلة، بل العمل الجنسي بشكل خاص هو ما يؤدي إلى استغلال تلك النساء. فالأكيد، حسب تلك الادعاءات، أنّ المرأة ستفضل العمل في ورشة بناء على العمل في الجنس، بسبب طبيعة الجنس كأمر مدنّس إذا ما كان مقابل المال – وأذكرنا هنا بهرمية الجنس. الجنس ممكن له أن يكون جيّد وممتع وحرّ طالما لم يرتبط بالمال أو المقايضة، بعدها يخسر صفته النظيفة ويندرج تحت الجنس غير المحترم. فحملات نسوية مثل “الهوى مش للبيع”* تخلط بين الجنس والحب على سبيل المثال، لتخبرنا بأن الجنس يكون من أجل الحب فقط، وهذا المجال الوحيد لإعطاء التراضي، أمّا إذا كان مقابل المال، فهو خسر قيمته – وكم يتماشى ذلك التفكير مع رومنسية العصور الفكتورية التي لم تستطع رؤية الجنس كأمر منشق عن الحب. وكم يذكرنا بالتبريرات التي نعطيها أحيانا للنساء إذا ما مارسنا الجنس قبل الزواج: “حبته وضحك عليها.. يلا عالأقل عن حب”. الحبّ يطهر الجنس أحياناً، ولو قليلاً. ما هو موقع تلك الأفكار في حركاتنا النسوي؟ وهل نحن بحاجة للمزيد من الاسقاطات الأخلاقية على حاجة غريزية، بعدما حاربنا طويلاً لفصلها عن هدفها الإنجابي؟

وهنّا أشدد أنّ محاربة الاتجار بالنساء، كما الاتجار بالبشر، قضيّة نسوية. كما أؤكد أن مشاكل العمل الجنسي كثيرة، وأغلبها متعلقة بحاجتنا للعمل من أجل العيش أساساً، ويمكنني مقارنتها بحاجة عامل البناء أو عامل النظافة للعمل من أجل العيش، وحتّى حاجة موظف البنك للعمل، كون النظام الرأسمالي لا يفسح لنا مجالاً من أجل عيش حياتنا دون الاعتماد على عمل مأجور ودائم. ونحن نعلم، كنساء، باستعباد فرص استقلاليتنا وحريّتنا باستقلاليتنا المادية جيّداً. بالإضافة لذلك، كون قطاع العمل الجنسي قطاع غالبية العاملين فيه نساء، والمدراء فيه، إذا وجدوا، رجال، فهو يعكس، مجدداً، أبوية وذكورية المجتمع. مثل وظائف أخرى غالبيتها النساء، كالتمريض مثلا، الاستغلال رهيب، والعرضة للعنف فيه أعلى من وظائف أخرى، والتحرّش والخضوع من سماته. لكننا لا نلغي إياها، بل نعمل على تأمين شروط عمل ملائمة وجيّدة، تسمح للنساء بتوفير المال والاستشفاء والراحة النفسية، وتؤمن لهن الحماية القانونية من العنف والتحرّش، وتقضي على الوصمة التي لا تسمح لهن بالعمل في أي مجال آخر بعدها، أو الاستمرار بالعمل ضمنها. أمّا النظر لهن كضحيات المتاجرة بالجنس دائما، والعمل على قوانين تجرّم سبل قوتهن اليومي، فذلك يستهدفهن بالشكل الأساسي ويبقى على الوصمة التي تنظر لهن كقذرات وضعيفات ومسيّرات طوال الوقت.

الحديث عن علاقة الجنس والعمل طويلة، ولكنها مهمّة في منطقتنا، والأهم من ذلك الابتعاد عن إستيراد الخطابات الأخلاقية ومحاولة التشبيك مع النساء اللواتي يعملن في تلك المجالات في منطقتنا. ولكي نخلق خطاباتنا نحن، علينا النظر في الجنس واللذة في منطقتنا، والبناء على كتابات من سبقننا من نسويات، ونقد ما يصدر من منطقتنا حول اللذة، كيف تصوّر، ومن يصدّرها. فلدينا تقاليد يمكننا الارتكاز عليها لفهم مركزية الجنس واللذة في مطالبنا، مثل الختان الذي يهدف إلى محي جنسانية النساء، وجرائم اللاشرف التي تحرّم خياراتنا، والأعين الساهرة على حماية المطلّقات والأرملات اللواتي اكتشفن ما لم تكتشفه باقي النساء، وبات على المجتمع مراقبتهن دائماً. وفي الوقت نفسه، كما تقول هوليبو، “ضمن كل حديثنا عن الجنس، لا نزال نركّز على الجزء الذي كنّا فيه ضحايا لجنسانياتنا”*. لذا علينا النظر أيضاً إلى ما نريد حاضراً ومستقبلاً، إلى واقع لذتنا فيه غير مناقشة وغير مفاوضة، واقع يحمينا بغض النظر عن خياراتنا، ولا يجرّنا نحو معيارية المغايرة لكي يتقبّلنا، واقع نملك الشجاعة فيه لقول نعم كما نملك الشجاعة لقول لا. وبناءً عليه، علينا الانتباه للبؤر التي نجّر إليها أحياناً عندما نجعل من بعض النساء أيقونات، كرهف مثلا، ونتوقع أن تلبس الدور الذي فصّلناه لها، المجرّد من الجنسانية واللذة واللعب، ونلومها إذا زلّت عنه، وإذا لم تمثل دور النسوية التي تريد النسوية من أجل النسوية، لأن الهدف ليس المزيد من النسوية. النسوية وسيلتنا، نظاراتنا التي نرى بها، أداتنا التي نفكك من خلالها، ولا نمارسها من أجلها، بل نمارسها من أجل حقوق وعدالة وحريّة. نمارسها لكي يصبح كلام أي فتاة عن ممارستها الجنسية عادي وطبيعي، لا يهزّ مجتمع، ولا يشكل تهديداً على فرص نجاة غيرها من النساء. نمارسها من أجل مستقبل لا يخاف أو يعيب رغبات النساء.

 

***

مصطلحات ومراجع

*معيارية المغايرة: المغايرة تعني العلاقات بين جنسين/جندرين مختلفين. أمّا معيارية المغايرة (heteronormativity) فهي الاعتقاد بأن التوجه المغاير هو الطبيعي والأساسي، وكل ما عدا ذلك هو شذوذ عن الطبيعي، وبالتالي فهي تعطي اسقاطات وتوقعات على كلّ العلاقات بأنها ستكون علاقات بين تضاد رجل وامرأة، أنوثة وذكورة، وتتقسم فيها الأدوار الطبيعية على هذا الأساس. يمكن الامتداد للقول بأن معيارية المغايرة هي التي تعتبر بأن العلاقات الطبيعية والحصرية هي بين أثنين، مختلفي الجنس والأدوار الجنسية، تنتهي بالزواج والانجاب، ومبنية على الحب.

*غايل روبين ونظرية الهرمية الجنسية: طرحت غايل روبين تلك النظرية في ورقتها “التفكير بالجنس” عام 1984.

*نظرة التحديق الذكورية: نظرية نسوية صدرت نقداً لتصوير النساء في السينما من منظور الرجال (أو المنظور الأبوي) ورؤيتهن حسب التخيلات والاسقاطات النابعة مما يجب عليه أن تكون المرأة، والذي غالباً ما يضع المرأة في موقع الرغبة والإثارة، ويعطي شخصيتها جانب أحادي فقط.

*آمبر هوليبو: ناشطة وكاتبة نسوية أميركية. أقتطف من كلامها مرّتين في النص، من ورقتها “Desire for the Future: Radical Hope for in Passion and in Pleasure” التي صدرت عام 1996، وأنا في صدد ترجمتها حاليا.

*”الهوى مش للبيع”: حملة لتجريم شراء الخدمات الجنسية، قامت بها جمعية “كفى” اللبنانية سنة 2014.

بعيداً عن النسوية الاختزالية

(الصورة المرفقة من جلسات زيادة الوعي النسوي في أميركا الشمالية في السبعينات)

النسوية أصبحت أكثر شيوعاً وشهرةً اليوم، في منطقتنا وعالمياً، ولا يمكن وصف ذلك بالجيّد أو السيء. جيل الإنترنت يعرف الكلمة جيّداً، والكل لديه مشاعره الخاصة حيالها. مدى تأثير ذلك على الشكل العام للمجتمع صعب تحديده، لكن الأكيد أن الإنترنت سمح للعديد من النساء والشابّات خاصة في منطقتنا العربية والناطقة باللغة العربية التعرّف على مفاهيم النسوية وبعض أفكارها الشائعة، وحملها إلى منازلهن وصديقاتهن وأخواتهن، قطرة قطرة. من جهة أخرى، شيوع النسوية يعني أن أفكارها الشائعة هي الأفكار الأقل جذراً وإقلاقاً للنظام القائم الأبوي والرأسمالي. فالأفكار النسوية السائدة عادة ليبرالية، تسمّى بال pop feminism أحياناً، وتعتمد على التمرّد على أمور أصبحت إلى حدّ ما غير متقبلة إجتماعياً، يمكن وصفها بالشاذّة والنادرة إذا نظرنا لها بطريقة مبسطة، الخارجة عن المألوف، كالعنف ضدّ النساء (الظاهر والصريح والمفصح عنه) وجرائم الشرف (التي لا تندرج عادةً مع العنف ضد النساء لأسباب سياسية بحتة) وتعدد الزوجات والنقاب والاغتصاب وعدم تساوي الأجور وعدم السماح للبنات والنساء بالتعلّم أو العمل. كلّها أمور ساهمت خطابات الجمعيات غير الحكومية والنسوية الإعلامية بتقسيمها وتفكيكها ورؤيتها كأجزاء يمكن العمل عليها بشكل إنفرادي، كما حملّتها صفة الإنفرادية والانعزالية والشخصنة.

تماماً كما يرى الخطاب النيوليبرالي الفقر والتشرّد كأمر فردي وشخصي، يعود إلى صفات وعادات شخصية، كالكسل والغباء والعمل غير الدؤوب، يمكن العمل عليها بانعزال عن مسائلة النظام الاقتصادي القائم، ترى النسوية الليبرالية كل تلك المشاكل من منظار تبسيطي، ذكوري بطبيعة الحال، لكن يمكن معالجته ضمن النظام القائم عبر الإصلاح. لذلك، أغلب اللذين يتعرّفوا على النسوية الليبرالية، أو النسوية البوب، يعترفون بوجود أبوية بشكل عام، لكن يفصلونها عن الأنظمة القائمة، ويردونها إلى الشخصي والثقافي. يسهل على من يجد في النسوية الشائعة إجابات معيّنة، أخذ الخطاب السائد على أنّه الخطاب النسوي الوحيد والأصح، وكل ما يختلف عنه يعد أكثر جذراً، لا مجال لمنقاشته. كما انّه يسهل اعتماد تلك النسوية من الأساس، لأنه يمكن بسهولة الإشارة إلى تلك التصرفات المنفردة والمنعزلة، وإبعاد أنفسنا عنها، وبالتالي التخلص من الشعور بالذنب. لذا تبقى أفكار النسوية الإشتراكية أو الجذرية أو السوداء وغيرها من مدارس الفكر النسوي، مهمشّة ضمن الخطاب السائد، كونها تسائل الأنظمة القائمة وتأخذ النظري والعملي إلى بعد أقل راحة وأكثر قلقاً. ذلك يجعل العديد من أدوات قمع النساء والطبقات العاملة بإعتماد نسوية غير مقلقة، غير جذرية، تستهدف أجيال ترى ببعض الإصلاحات ثورة على الأبوية، ولو كانت عبر إستهلاك المزيد من السلع المسوّقة على أنها أكثر “نسوية”، بغض النظر عن ممارساتها الإستغلالية وإستفاداتها من النظام الرأسمالي الذي يسخّف عملنا ويعتقل حريّتنا عبر ربطها بالإستقلال المادي.

علينا إعتماد نسوية مقلقة، تجعلنا ننظر إلى الأمور بطريقة نقدية، دون الأخذ بمسلمات، لأن الوعي النسوي جزء أساسي من وعينا الثوري بشكل عام، مهمّ لعملية التحرّر المجتمعي والاقتصادي. يسهل لمن يعتمد نسوية مبسطة وغير مسائلة للنظام القائم النفور من أي تحليل لا يأخذ بتلك المسلمات بعين الإعتبار، فالأبوية تسرّبت إلى تفاصيل حياتنا بشكل مخيف، إعتدنا عليه، وإلا ما استمرت الأبوية إلى اليوم، وبالتالي علينا ألا نعتاد عليها أبداً. على النسوية أن تكون منظار تحليلي قبل كل شيء، وإلا لن يكن بقدرنا كنسويات تقديم بدائل ثورية، لأن الأبوية لا تختزل بالتصرفّات التي نحاول عزلها ومعاملتها كأمور يمكن تشخيصها، بالعكس، الأبوية في التفاصيل. لذا، النسوية غير مريحة، مرهقة، لا تعطنا فرصة للتنفس أحياناً، وكلمّا يزيد الوعي النسوي، كلّما يزيد الغضب. لا عودة ولا رجوع عنها. إذا ما غيّر الفكر النسوي نظرتنا للحياة بحذافيرها، ما الفائدة؟

عليه، مناقشة أمور تعتبر فطرية وطبيعية أساسية جدّاً في عملية زيادة الوعي: مثلما العلم “الموضوعي” أخبرنا لقرون أن دور المرأة الطبيعي هو في الخضوع والإغواء والتربية والعمل المنزلي والإرضاء والخدمة، وأن عدم قدرتنا على التعامل مع الأنظمة القائمة والإنتاج ضمنها سيعامل كمرض، وكان من الصعب مناقشة تلك الأمور حتّى مؤخراً، ينزعج البعض من مسائلتنا لأمور أخرى بنفس الشكل، كتأثير الأبوية والعنصرية والطبقية على توجهاتنا وأذواقنا وممارساتنا. والمسائلة هنا لا تعني المنع، فيجب احترام حقّنا بالسيادة على أجسادنا وأخذ قراراتنا بأنفسنا بغض النظر عن تأثرها بأمور سيئة. بالعكس، هي مجرّد محاولة لفهمها ووضعها في سياقها المناسب، ولنسف أفكارنا عن الطبيعة والفطرة والعلم الموضوعي، الذي أقنعنا أنّنا حيوانات مجرّدة من تأثير الثقافة، وبأن تركيبة المجتمع اليوم طبيعية وفطرية كما الإنسان الأول. كأنه لا يوجد قبل مجتمعنا المعاصر ولن يوجد بعده. بينما إذا عدنا مجرّد بعض العقود إلى الوراء، سنجد تغيير هائل بأفكارنا عن الذوق والشريك/ة المناسب والعائلة والحب والجنس والجمال، الخ.. فكيف إذا عدنا قرون إلى الوراء، أو عشرات القرون؟

محكمة الأمومة الأزلية

يقترب يوم المرأة، ومعه يأتي الحماس للعودة إلى الشارع. والحماس يخّف تدريجيّاً، وأتذكر أن تجمعاتنا ليست بحركة منظمة، وأنّنا عادة لا نجد أنفسنا في الحراكات للأمور المطلبية اليومية، كسوء المعيشة والإنهيار الإقتصادي والضرائب، ليس لأنها لا تعنينا، بل لأن القائمين على تلك التحركات غالباً ما يشعرونا بأننا ضيفات، وأنّ مطالبنا، بالنهاية، ثانوية. كما أبدأ بالشعور بالإغتراب مجدداً، وأتذكر أن التقاطعية ليست بالشعارات، بل بالممارسة، وإذا كنت أشعر كالغريبة في كلّ مكان، ربما الطريق ما زالت بطويلة. أوّد أن أؤمن بأنها مشكلة عالمية، إقصاء النسويات وتهميشهن من الحركات اليسارية، والبكاء على الأطلال بعدها عندما تلجأن إلى عمل الجمعيات غير الحكومية التي تأخذ مسار مختلف كليّاً، ينتهي به الأمر مركزاً على مطلب واحد خارج السياق السياسي له، غير تقاطعي بما فيه الكفاية. غير جذري بما فيه الكفاية. مشكلة عالمية، أعتقد.

مع إقتراب الموعد، أفكر في الأمور التي أريدها، وأريد الحديث عنها. أفكر في أمّي، وكيف تخبرني بأنّ كل ما أفعله ليس له قيمة. أمّي تريدني أن أفكر بفلسطين، وفلسطين فقط. لا ترى الجدوى بالتركيز على قضايا غير فلسطين، ولو أنّها بذات الأهميّة لوجودي، ولو أنّها ليست بعيدة أبداً عن القضية، وبالرغم من ذلك، فأمي أكثر شخص في عائلتي تغيّرت أفكاره عبر السنوات الأخيرة، لا سيّما عن العمل المنزلي والأقليات الجنسية والأدوار الجندرية والتحرّش الجنسي. أمّي أيضاً هي أكثر شخص في العائلة (النواة، الصغيرة) التي واجهت وعاشت تحت وصاية الأبوية، كإمرأة، كمطلقة، كأرملة، كأم، كربّة منزل، وكعاملة. لذا، فالحديث عن الأمور لم يكن عليه أن يكن يوماً ما بعيداً عن الواقع. النسوية، مبدأياً، ليست نظريات أكاديمية نهدف لفرضها على النساء، بل تحليل لواقع معاش – مؤلم وغير عادل – وحلول غالباً ما تكون جذرية. أمّي، وغيرها من الأمهات، نساء أتمنى أن ينزلن معنا إلى الشارع يوماً ما، لكنّي لا أتوقعه، ولا أفرضه، كأمر، بل أراه من واجبي، أنا المرتاحة أكثر، أن أتذكر أنّ الأمهات هنّ أكثرنا مواجهة لهذا النظام، أكثرنا عرضة له، وأهمنا في التأثير عليه.

كفتيات، نتصادم مع الأمومة منذ الصغر، ونراها تُفرض أمام أعيننا، علينا، على صديقاتنا، وحتّى على أمهاتنا. نرى الأمومة تطبّع فينا، وتلبس دور معيار توافقنا مع هدفنا البيولوجي. نجد الأمومة في كل مكان، وكلنا نعرف كيف تتجذر الأمومة في تطبيع أنوثتنا. كلنا نعلم مدى حريّة الخيار لدينا، كفتيات، وحتى كصبية، عند اختيار ألعابنا، وعندما نناقش كيف تفرض تلك الألعاب علينا، كيف يُفرض عليّ أن أختار دمية أربيها وأحفّضها، وكيف يُفرض على أخي مسدس ليعيش دوره البطولي عندما يلعب مع باقي الصبية، نسمع أصوات أولئك الذين “لم تُفرض عليهم” تلك الخيارات، أولئك الذين ولدوا على “فطرة” الأنوثة أو الذكورة، وكأن ذلك ينفي التطبيع الممؤسس لأدوارنا. بعض الخيارات تُعطى وزن أكبر من غيرها، وأهم، وهي تلك طبيعة أي نظام مستمر يشجع الخيارات التي تعطيه شرعية، ويعطيها شرعية بالمقابل، وينبذ الخيارات التي تسائله، ويجعلها شاذّة، ونحن شاذّات.

ربما دور الأمومة هو الأكثر تناولاً في الكتابات النسوية، ونقد الفطرة التي تأتي يداً بيد مع فكرة الأمومة قد أصبح كليشيهاً مكرراً في مذكراتنا. مع ذلك، ما زلنا في خضم صراعات حولها، ولربما ننسى أحياناً أن الصراعات التي نتناولها فكرياً، في المدونات والدوريات، في اللغة الإنجليزية غالباً، بالرغم من أنّها مبنية على الواقع المعاش، إلا أنّها تأخذ وقتاً أطول للإنعكاس عليه. أتكلّم عنّا نحن النساء العربيات والناطقات باللغة العربية، حيث لا زالت الأمومة موضوع هش عندنا، ومسائلة قدسيتها كهدف بيولوجي لا يزال محصوراً في الندب – وهو ليس أقل شرعية من الكتابة بالنسبة لي- على مواقع التواصل الإجتماعي والكلام السرّي بين الأم الجديدة ونفسها، اذا استطاعت. حتّى تفضيلنا للمواضيع المتعلقة بالأمومة عادّةً يصب في تلك التي ترفضها، وكأننا بشكل غير مباشر نرسم أجندة نسوية تعطي أهمية أكبر للأصوات التي لا تتقيد بالمأساة البيولوجية للنساء وكل من لديها رحم، وترفضها، أكبر من أصوات النساء التي تختار الأمومة. علماً بأننا ناقشنا الخيارات، ونعلم أنّها لا تخرج كثيراً من سياقها، وعلماً أني أتوق لوصولنا إلى يوم يكون فيه الحمل والولادة خارج الرحم، ومتوفرين للجميع، ولكنّا مع ذلك نقع في خطأ تفضيل نسوية نساء يرفضن ذلك الدور على نسوية نساء يأخذنه، كما نقع في خطأ تفضيل المرأة العاملة خارج المنزل على العاملة داخله.

لا يوجد دور أكثر نقاء من الأمومة. كل الطرق تؤدي إليه. أفلامنا وآدابنا وأغانينا ومسلسلاتنا وقصائدنا وأحاديثنا الشريفة. الأم مبجّلة، مركزها رفيع في المجتمع، مربيّة الأجيال ومدرستهم الأولى. هي الوصول إلى ذروة الأنوثة وهدف الوجود كإمرأة وقد غذّت كل الثقافات بإختلافها جوهر الأمومة وصقلتها. نعلم جيّداً كيف تتصرّف الأم الجيّدة، وبالتالي محاسبتنا لها هي الأسوأ والأكثر دقّة. هل تشعر بالتوتر عند الحمل فتنجب أطفالاً مرضى؟ هل حملت بهم”طبيعياّ” أم إستعانت بتكنولوجيا الحمل المتوفرة؟ هل سلكت طريقاً وعراً أدّى إلى تسقيطها الجنين عن غير قصد؟ هل ترضّع أبنائها أم تشرّبهم حليباً مركّباً؟ هل شعرت بالكآبة بعد الإنجاب، بدلاً من الفرح المفرط، بالرغم من الآلام النفسية والجسدية للحمل والتوليد؟ هل تقرأ لأطفالها قصص ما قبل النوم أم تتركهم للآيباد؟ هل أنجبنهم في وقت لا تستطيع أن تدفع لهم فيه كلفة العناية الفائقة في حال تدهور صحتهم؟ هل تركتهم مرّة بمفردهم في المنزل لأنها إضطرت أن تقضي حاجة معيّنة؟ هل تطعمهم أكلاً صحيّاً مكلفاً أم تعوّدهم على الوجبات السريعة؟ هل أخبرتهم يوماً أنّها كانت تفضّل الإجهاض؟ هل أحبّت رجلاً آخراً بغياب والدهم، فجعلت من بناتها غير صالحات للزواج؟ هل قصّرت في واجباتها التي لا تنتهي؟ هل نسيت أن تسخّن لإبنها طعاماً قبل مجيئه من الشغل؟ هل إستعانت بعاملة أجنبية في تربية أبنائها؟ هل أرادت أن تقضي سهرة مع صديقاتها بدلاً من مع أطفالها؟ أسئلة لا تنتهي، ولا نفكر في أن نسأل الأباء عنها يوماً ما.

المشكلة لا تكمن في الأسئلة التي نسألها والمحاكمات التي نشنّها ضد الأمّهات، لأنها في النهاية إمتداد لوضع ممأسس يضع النساء في موقع اللوم والمحاسبة الدائم. فبالرغم من تقديسنا للأمومة كدور، إلّا أنّنا سرعان ما نسحب تلك “الجنة” من تحت أقدامهن في حال أخطأن في تأدية أدوارهن، ولو أنّ التهمة ليست بالكافية، ولو أنّ التهمة هي.. الوجود بحد ذاته، ككيان، يتخّذ قرارات من أجل نفسه.

قوانين الحضانة هي من أقسى تجليّات تلك المعضلة، فنرى كيف تواجه النساء المحاكم حالما يطلبن الطلّاق، أو يُطلّقن، فنأتي بأمومتهن تحت المهجر، إلّا إذا لم يرغب الأب في أولاده. أغلب تلك القوانين تسمح للمرأة بتربية أولادها عند طفولتهم، أي خلال فترة حاجتهم البيولوجية لمعيل، وهنا نشكر الثقافة التي تجعل من الأمهات المعيل الأساسي لحاجات الطفولة، فتسمح لهن بممارسة ذلك الدور لفترة إذا رغبن، وإذا سمح الأب بذلك. بعد وعي الأطفال، ينتهي حقّ الأمهات بهم، بالرغم من أنّنا علّمناهن أنه أهم دور في حياتهن، وأنّ أطفالهن كلّ شيء، بل هم إمتداد لهوية الأم، وخير مرآة لشخصيتها وتربيتها. الأمّهات دون أطفالهن لسن أمّهات، ومع ذلك، لا نتردد في سنّ تلك القوانين، وفي تطبيقها في المحاكم. لا نرى التناقض فيما نعلّم نسائنا، وفي الحبّ الذي نطبّعه بهن، والتضحية التي نطلبها منهن، وفي سرعتنا في حكمنا عليهن وسحب حقّ الأمومة. في الوقت نفسه، إذا رفضت أمّاً ما حضانة أبنائها، ولأنها بنفسها أخذت قرار عدم تربيتهم، فإنها لا تُرحم من أحكام المجتمع، وتلقب بأقسى الصفات. فليس من حقها أن ترفض دور الأمومة. بل من حقّ المجتمع بأكمله أن يقرر عنها.

القوانين نفسها تُطبّق على الأرملة الأمّ التي ينتقل حقّها بالحضانة تلقائياً إلى أهل زوجها المتوّفي، ولربما تعتقدي بأنّه قانون تقدّمي يعطي النساء حق خيار التخلّي عن الأمومة، كأنه فعلاً خيّار لا تُحاسب على أخذه مجتمعياً إذا فعلت ذلك، لكنّه ورقة أخرى لإخضاع النساء والتحكم في جنسانياتهن وخياراتهن. غالباً ما يأتي التنازل عن الحضانة من قبل أهل المتوفّي مع عدّة شروط: لا تتزوجي مرّة أخرى، لا تعملي، لا تكملي دراسة… لا تسوقي سيارة. حرفيّاً. أذكر أرملة من حيِّنا طُلِب منها ألّا تشتري سيارة، فيصبح مجال تنقلها واسع، مقابل إعطائها الحضانة، ونحن لا نعيش في بلد فيها ولاية قانونية على النساء.

أعود إلى الشخصي دائما رغم محاولاتي التكلّم عن الأمور بموضوعية، لكن الشخصي متسرّب في بناء وعينا النسوي. أجلس مع أمّي وأسألها عن الأمور التي يحاسبها عليها المجتمع كإمرأة عاشت الأدوار المختلفة كلّها تلك. تتحدّث أولاً عن نفسها وسيرة حياتها التي أعرفها جيّداً، تزيد عليها بعض التفاصيل دائماً التي خبأتها من قبل، تفاصيل يمكنني أن “أفهمها” أكثر اليوم كوني أكثر نضجاً. مثلاً، كإمرأة ترّملت وأطفالها (أي نحن) ما زالوا صغاراً، أمّي وجدت نصيبها من التعامل مع الجمعيات الإسلامية الخيرية لكفالة الأيتام. كغيرها من النساء، ضحّت بعملها خارج المنزل، بالرغم من حبّها الشديد لعملها في التمريض، لكي تكون موجودة في المنزل، غير مقصّرة حيال أي من واجباتها تجاهنا. لذا، عندما وجدنا أنفسنا دون معيل أساسي، تسجلّنا في تلك الجمعيات التي توفر مصروفاً شهريّاً (ضئيل بشكل مريب) لأيتام الأب، بناءً على حديث “أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة”. تخبرني عن إستغلال العاملين فيها للنساء الأرامل، من عروضات الزواج العرفي إلى التودد البريء من أجل خدمات أكثر. تنسى أمي أن تذكر أمراً أذكره جيّداً، وهو رفض بعض الجمعيات كفالتنا لأنّ ماما لم تكن محجّبة، وكأن الموضوع يجعلنا أقل يتماً أو حاجة. وهنا يدخل عامل تعييب النساء لخياراتهن، ومحاسبتهن عبر قصاصات غير مباشرة. أبشّركن، أمّي تحجبت بعد فترة. على حدّ قولها، إقتنعت.

تخبرني بعدها عن صديقتها المقرّبة التي تعرّفت عليها عبر إحدى الجمعيات، وهي أكبر عمراً، ومرّملة لفترة أطول، وبالتالي أكثر خبرة، وكيف إحتضنتها وشكلت لها سنداُ في مواجهة الإستغلال الحاصل، وعندما أصبحت أمّي أكثر خبرة أيضاً، إحتضنت هي وصديقتها أرملة جديدة، أصغر سنّاً، شجعاها على إكمال دراستها، وحصّناها تجاه التوقعات الجائرة من الأمّهات الأرامل كي تعيش حياتها بطريقة أكثر تسامحاً وصحيّة. فأعود وأقع في حب الصداقات النسائية مئة مرّة أخرى، والتي برغم من عمل الأبوية على رسمها بالسمومة والغيرة والكيد، تبقى الواجهة الأولى للحماية ضد العنف الممنهج ضد النساء.

تكمل أمّي حديثها فتخبرني أنّها لا تأبه بكل الكلام التي كانت تسمعه عنها (وهو كلام لا أريد كتابته بعد)، وأنّ ما تأبه به فعلاً هو المعاناة اليومية داخل المنزل. العمل المنزلي، بالتحديد، هو معاناة أمّي، ومعاناة أغلب الأمّهات. أتكلم عنه كثيرا، عن عدم تقييمه، عن الإستهانة به، وعن أهميته ضمن النظام. العمل الأنثوي، أي عمل التربية، عمل الإهتمام، عمل الكدح العاطفي، هو العمل غير المقدّر، العمل الذي نتكلّم عنه بقداسة، وكأنّه لا يقدر بثمن، ولكن عندما نأتي لندفع مقابله ثمناً معيّناً للعاملات المنزليات المهاجرات مثلا، نعلم كم هو بخيس! ولا يسعني التكلّم عنه كفاية، وأنصح دائماً بقراءة نص فيديريتشي التي لخّصت الكثير عن معاناة النساء في ذلك المجال، وأحزن عندما تلوم أمّي نفسها على أنّها لم تعوّد أبنائها الشباب على العمل المنزلي منذ الصغر، وكيف لها أن تعوّدهم عندما تشجعنا ثقافتنا على تقسيم أدوار العمل بناءً على الجندر. لكن لوم الأمّهات لأنفسن، كما لوم المجتمع لهّن، لا ينتهي.

حقيقة لا أدري ما المرجو من كتابتي لهذا النص، ولربما هي محاولة للفضفضة، أو رسالة حبّ إلى والدتي التي أخبرها دائماً، بطريقة أو بأخرى، أنّها ليست بحاجة لكي تقطف القمر وتحضره لي كي أحبّها، فحبّي لها غير مشروط على قيم الأمومة القامعة، كما لم يكن حبّها لي مشروطاً عندما سمحت لي أن أكون ما أكون بالرغم من دفعها ثمناً للمجتمع مقابل ذلك. هي رسالة حبّ لكل الأمّهات اللواتي تحمّلن محاكمات المجتمع والقانون لهن، وإلى اللواتي لم يحتملن ذلك. رسالة حب الى اللواتي رفضن الأمومة، واللواتي أصبحن أمهات قسراً، كما الأمهات اللواتي أصبحن أمّهات رغم محاولات الأبوية من حرمهن من ذلك. وأخيراً، رسالة حب للأمّهات البديلات، غير النمطيات، غير البيولوجيات، اللواتي أعطيننا حبّاً جعله النظام أمومي، وهو حقّ مجتمعي أولاً.